لبنان والانتخابات المحلية

الخميس 2016/04/28

تحتل الانتخابات المحلية مكانة هامة في مختلف البلدان، لاعتبارات أهمها:

أنها مؤشر على توجهات الرأي العام حول السياسات المتبعة من أحزاب وقوى السلطة، وتدل على النسبة التقريبية للمؤيدين أو المعترضين على أدائها العام، خصوصا في مجالات الخدمة العامة والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.

أنها تسهم في تجديد العامل الإنمائي المحلي وفي تعزيز الحياة الديمقراطية.

أنها تسهم في ابتداع البرامج التنموية وفي اجتراح الحلول لمشكلات التنمية وتقديمها إلى المواطنين في سياق تنافسي لاختيار الأنسب والأكثر واقعية وإلحاحا.

أما في لبنان، فالانتخابات المحلية بعيدة كل البعد عن هذه الاعتبارات. إذ يسيطر عليها الانقسام المحلي الطائفي والمذهبي والعائلي، وقد اعتدنا على مدى المراحل السابقة، ونتيجة للأجواء المشحونة التي تذكيها القوى المهيمنة على المجال السياسي في البلد، أن تكون الانتخابات المحلية (البلدية والاختيارية) مجالا لإعادة إنتاج تلك الانقسامات ولتعزيز العصبيات التي لا همّ لها سوى إنتاج وإعادة إنتاج الزعامات المحلية التي تمثل نقاط ارتكاز النظام الزبائني الذي تفرضه قوى السلطة محليا في كل قرية ومنطقة وحيّ.

وفيما أصبح هذا الاستحقاق داهما، يتسابق زعماء قوى النظام جميعا للإعلان عن دعمهم لإجراء هذا الاستحقاق في أوانه، ولكننا لا ندري أيضمرون ما يعلنون، أم سيكون مصير هذا الاستحقاق كما الاستحقاقات الانتخابية الأخرى، وخصوصا انتخاب رئيس للبلاد والانتخابات النيابة؟

أما تأجيل الانتخابات الرئاسية فقد ترك الفراغ يحتل موقع رئاسة الجمهورية لسنتين كاملتين دون أن يرفّ لقوى السلطة جفن، فيما مدّد مجلس نواب العطالة لنفسه مرتين متواليتين، وقد تصير ثلاثا، ليصبح مجموع مدة التمديد مساويا لولاية نيابية كاملة، دون أن يقوم هذا المجلس بأيّ دور تشريعي في أيّ من المجالات التي تهمّ المواطن.

وكان لذلك تأثير على أعمال الحكومة التي باتت مشلولة وليست موضع مساءلة، إضافة إلى الشلل الذي أصاب مختلف أجهزة الرقابة والشغور الذي يجتاح مختلف الإدارات.

في ظل كل ذلك، هل باتت الانتخابات المحلية هاجس قوى ائتلاف السلطة لتعمل على إنجازها؟ وهل أصبح الهاجس الديمقراطي والإنمائي يدفعها إلى إنجاز هذا الاستحقاق الشامل على مستوى البلاد؟

بالتأكيد لا. فكل ما يهمّهم هو إشغال المواطنين في انقساماتهم وحساسياتهم المحلية عن الفضائح اليومية التي تصدر عن تلك القوى، والتي باتت مجالا لتبادل الاتهامات عبر وسائل الإعلام ووسائط التفاعل الاجتماعي، فكل يرمي بالموبقات على زميل له في السلطة ليتلقى من مثلها الكثير وكله صحيح، بل أقل ممّا ينبغي.

مسلسل الفضائح اليومية التي باتت مجالا للتندّر بين أهل السلطة، جعلت المواطن يستغرب أن يمرّ يوم من دون فضيحة جديدة، في حين لا يجد عملا يقيه الفاقة ويبعد عنه خاطرة الهجرة حتى لو كانت غير شرعية وعبر ركوب البحر، جعلته يعيش حالة قرف وسخط وصولا إلى مرحلة العزوف عن المشاركة في أيّ من الاستحقاقات بما فيها الانتخابات المحلية.

وفيما لا تعبّر الانتخابات المحلية في لبنان عن توجهات الرأي العام، فإن السلطات المحلية تظل عاجزة عن إنجاز البرامج التنموية لأسباب أهمّها امتناع السلطة عن دفع المستحقات المالية للبلديات التي ربما نهب معظمها، وكذلك بسبب الروتين الإداري وتعدّد الوِصايات الإدارية على السلطات المحلية، وفوق ذلك مداخلات قوى السلطة ومصالح أتباعها.

إن تسابق زعماء قوى السلطة لإعلان تأييدهم لإنجاز استحقاق الانتخابات المحلية، لا يعني أنهم في وارد إنجازها. فحزب الله منشغل في حربه على الشعب السوري، وتيار المستقبل منشغل بأزماته المالية، وباقي الائتلاف السلطوي لا يهمّه من الأمر أكثر ممّا تحقق، وهو إلهاء الناس بالحساسيات المحلية عن جرائم قوى السلطة. من هنا فإن احتمالات التأجيل تبقى واردة حتى صباح الانتخابات، فإلى أيّ ذريعة سيلجأ هؤلاء ليتمّ لهم التأجيل؟ هناك خشية من افتعال مشكلة أمنية دفعت البعض إلى القول “أجلوها بلا دم إذا عندكم دم”.

كاتب لبناني

9