لبنان والمنطقة: "الحال من بعضه"

الأربعاء 2014/10/22

لا يمكن فَصْلُ أزَمةِ النّظامِ السّياسيّ في لبنان عن الأزمَة العامّة لأنظمة المنطقة العربِيّة التي بَرزَتْ بِقوّةٍ بمُجرّدِ أنْ وَضَعَ المُتضَرِّرون، والذين هُم قَوَامُ الشّعوبِ المُنْسَحِقةِ تَحْتَ وَطْأَةِ الاسْتِبْدادِ وَالْقَهْرِ وَالنّهْبِ والْفِساد، مَصالِحَهُمْ في المُقدّمَة مِنْ خِلال انْتِفاضاتِهم الشّعْبِيَّةِ العارمَةِ مُنْذُ ما يُقارِبُ الأرْبَع سنوات.

وإذا كانتْ أزَمَةُ النظامِ السّياسي في لبنان قديمة بِقِدَمِ تأسيسِه، كِوْنَهُ تأسّسَ في الأصلِ على الْهَيْمَنة والتّبَعيّةِ والتّحاصُصِ بين قوى البرجوازية الطّفَيْليّة التي اتَّخذَتْ أرْدِيَةً طائفيّة ومَذْهَبِيّةً، فإنَّ واقعَ هذه الأزَمةِ اليومَ يَنْدَرِجُ ضِمْنَ السّياق العام لأزمَةِ النّظامِ الإقليميّ والدَّوْلي.

فلبنان مَحكومٌ بواسطة ائتلافٍ مافيويّ تتقاسَم أطرافُه النّهْبَ وتتنازَع النّفوذَ وتُرسّخُ الهَيْمنةَ لمصالح المراكز الإقليميّة، وليس لمصالحَ داخليّة فقط. فمصلحة كل من مافيات السلطة تتأتّى من مصالح المراكز التي تَتْبعُ لها في الخارج.

وبِما أنَّ محاولاتِ مَراكزِ الهيمنة للالتفاف على انْتفاضاتِ الشعوب جاءَتْ مُتَضارِبَة التّوجُّهات لِكَوْنِ تلك المَراكز متنازعةً على النّفوذ في المنطقة في الأساس، فإنّ مُحاولات الالتِفاف على الثورات انْعكسَتْ صِراعاً مَحْموماً على الهَيمَنةِ الداخلية في لبنان، جعلَتْ تأمينَ حصولِ الاستحقاقات الدستورية في مؤسسات السلطة مسألة متعذرة.

غيرَ أنّ تَعذّرَ تَمْريرِ الاستحقاقات الدّستوريّة لم يُعِقْ ما تمارِسُه القوى المافيوية مِنْ سياسات، بل انّه بالمقابل أتاح هامِشاً عريضاً لِمُمارَسة النّهْبِ والفَساد على أوْسع نِطاق، وَحَوّلَ أيَّ نَقْدٍ أو إشارَةٍ إلى مواقِعِ الفساد الذي يَضْرُبُ في كلّ مَفَاصِل الإدارة والخِدْمات العامّة، إلى مَوْقِفٍ سياسي وإلى مُحاكَمة سياسية لا تُقدم ولا تُؤخّر. في حين يَتمادى حزبُ الله في اعتبار نفسِه أداةً سياسيّة وعسكرية أوسعَ من البلاد وينبغي أنْ يُنْظرَ إليه كَقوّة إقليمية ذات مَهامّ أوْسعَ مِن الدّولة وأكبر، خاصة بعد أنْ تَمّ تلزيمُه عملياً الملفّ السّوري بكلّ تفاصيلِه، من قِبَلِ الحكومة التي مثّلَتْ بِحَق، مجلسَ إدارة لِائتلافِ المافيات المُسَيْطِرَة في لبنان.

وفي حِين تمكّنَت القوى الدولية والإقليميّة الْمُضادّة للثورة، (مستخدمة أقذرَ الجرائم، بِدايَةً من تلك التي بادر النظام السوري إلى ارتكابها بحق الشعب السوري على امتداد سوريا، وصولا إلى إفساح المجال لعصابات الإرهاب ذاتِ اللّبوسِ الديني أنْ تتغَوّلَ على الثورة مع ما ترتكبه من جرائم) أنْ تُعِيدَ إلى الواجهَةِ صِراعاتِها وتفاهُماتِها وأنْ تُغطّي تماماً على ما كانَت الشّعوبُ قد انْتفضَتْ وثارَتْ وضحّتْ من أجله، فصارَت الحربُ “المديدة” على الإرهابِ تَتصدّرُ الأخبارَ والاهتمام وتَليها النّزاعاتُ والتّوافُقاتُ الدّولية والإقليمية، لِتَحُلّ ثالثاً أخبارُ الصّراعات الطائفيّة والمذهبيّة والعرقيّة والعشائريّة، ورابعاً أو خامساً على أفضل تَقدير، ما يُنقلُ مِن أخبار المَجازِرِ والتّهْجير الذي يَطالُ المدنيين، في حين أنّ ما أرادَتْه الشّعوب من ثوراتِها لمْ يعدْ له حَيّز مَلْحوظٌ في اهْتِمامات الإعلام والسّياسيين لا مَحلّياً ولا إقْليميّاً ولا دَوليا.

وفي نفس الوقت يمارس الجميع حربهم الشّعواء على المدنيين المُضْطَهَدين، فَتُبيدُهم المَجازرُ والْبراميل المتفجّرة وغاراتُ الطيران الحَليف وتَقتلِعُهم الغَزواتُ وتهجّرهم حروب الإرهاب المُتغوِّل دونَما رادعٍ أو مُنازِع.

وفي هذا الوقت، حيْث يأكلُ الفَراغُ مُؤسّسات السّلطة في لبنان، تَقِفُ هذه السّلطةُ نَفْسُها بِصلابَةٍ تَتفوّق على الصلافَة أمامَ مَطالِب النّاس المُلِحّة وتُهْمِل كلّ ما مِنْ شأنِه التّخفيف مِنْ وَطْأةِ الأحوال المَعيشيّة الحادّة وَتسْقُط الخدماتُ العامّة بينَ تَغَوّلِ الفسَاد والإهمال المُتَعَمّد. ويستمرُّ انْسِحاقُ الغالبيّة السّاحِقة من المواطنين، في حين تتَعمْلَقُ ثرَوات الْواحد بالمئة بِما لا يُمْكنُ تَصَوّرُه أو إحْصاؤه والإحاطَة بِه.

باتَ واضحا أنّ الهم الرّئيسَ لِقادَةِ مافْياتِ السّلطة يَتمحْور حَوْلَ مُراكمَة الثَّروات بلا حدود وتَوسيعُ النّفوذ وخِدْمة سياساتِ مَراكِز الهَيْمنة الرّاعية لِسيطرتهم، وأنّ كلّ ما يهمّهم بالنسبة إلى المواطن اللبناني أنْ يَستمرَّ في خِدمتهم ما اسْتطاع، فَإنْ لمْ يستطعْ فلْيهاجر، أوْ فلْيسقطْ صريعاً تحتَ العَجلات التي قتلَتْ خلالَ عامٍ على طرقات لبنانَ مِنَ البشر ما يُمكن مُقارنتُه بما قتلَتْ قواتُ الاحتلالِ الصهيوني مِنْ أبناء قطاع غزّة خلالَ حَرْبِها العدوانيّة الأخيرة عَليه.

وستبقى قضيّة إعادةِ إنتاج نظامِ سَيْطَرة الائتلاف المافيوي الهاجِسَ الأبرز لقوى السلطة بالطرق التي تتوافق عليها، سواءٌ بالتّمديد لمجلِسها النيابي (وهذا ما يُعدّ له اليوم) أم بالانتخابات المُعَدّة النتائج سَلفاً. لكنّ كلّ يوم يَمُرّ على سيطرة ائتلاف المافيات بشكل أو بآخر، سيكون أسوأ على المجتمع والوطن مما سبقه. ولن تتغيرَ الأحوالُ إلا بِفَرْض تَقديم مصالح المواطنين على أيّة مَصالِحَ أخرى، وهذا لن يكون إلا بانْتزاعِ السّلطة والثرْوة من أيْدي هذه المافيات.


كاتب لبناني

9