لبنان وتساقط "لاءات" الائتلاف الحاكم

في حال لم ينجح الشارع في فرض التغيير الجذري الذي يحتاجه لبنان، لن يكون هنالك حل لأزمات المجتمع اللبناني.
السبت 2019/11/02
أولى "لاءات" حسن نصرالله سقطت باستقالة الحريري

بعد استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، جاءت كلمة الرئيس ميشيل عون لتظهر تمكن الاحتجاجات الشعبية من إحداث تصدعات هامة ضمن الطبقة السياسية الحاكمة، تمثلت في سقوط خطوطها الحمراء تباعا. لكن التنازلات المقترحة لم تقنع الشارع المحتج، الذي كف عن الاعتقاد بإمكانية انبثاق التغيير من طبقة سياسية لا وظيفة لها سوى الحفاظ على الوضع القائم.

 لقد كابرت هذه الطبقة طيلة الأسابيع الثلاثة الماضية، رافضة مطالب المتظاهرين ومتخوفة من تقديم تنازلات سريعة تشجعهم على مواصلة الأمل بعقد اجتماعي جديد يقطع مع النظام الطائفي القائم منذ العام 1943.

ظهرت المكابرة تلك في أوضح صورها في خطابات زعيم حزب الله، حسن نصرالله، الذي خرج مرتين منذ انطلاق الانتفاضة، ليشد من عضد الائتلاف الطائفي الحاكم والمهتز تحت ضربات الاحتجاجات الشعبية غير المسبوقة في تاريخ لبنان. هدد نصرالله المحتجين، راسما عددا من الخطوط الحمراء، تتمثل في رفض كل من استقالة الحكومة، تشكيل حكومة تكنوقراط، إسقاط العهد، وإقامة انتخابات مبكرة.

سقطت أولى “لاءات” حسن نصرالله باستقالة سعد الحريري، التي حققت أول مطالب الحراك. كان الحريري رهينة لدى تحالف حزب الله والتيار العوني، إذ تمثل دوره في إنهاء كل ما يعيق وصول ميشيل عون إلى رئاسة الجمهورية. تعمقت هامشية دور سعد الحريري بمرور الوقت حتى بات لا يملك قرار استقالته. لكن الانتفاضة جاءت لتحرر الرجل من خلال شق صفوف الطبقة الحاكمة، التي كانت تعمل على تقسيم الانتفاضة نفسها إلى مربعات طائفية مغلقة يسهل التلاعب بها ومحاصرتها.

ثم جاء خطاب الرئيس اللبناني، ميشيل عون، ليعلن قبوله تشكيل حكومة تكنوقراط داعيا إلى اختيار وزراء الحكومة الجديدة ليس بناء على التحاصص الحزبي والطائفي بل بناء على الكفاءة. وبهذا تكون ثاني لاءات حسن نصرالله قد سقطت أيضا أو على الأقل لم تعد موضع إجماع لدى مكونات الطبقة الحاكمة.

بصورة واضحة، حاول الجنرال إبعاد غضب الشارع عن مركز الرئاسة وكله خشية أن تكون الخطوة التالية في الشارع، بعد إسقاط الحريري، هي المطالبة بإسقاطه شخصيا. كان عليه أن يقدّم تنازلا خاصا بتشكيل الحكومة، إذ يرفض الشارع المحتج تشكيل حكومة سياسية مشابهة للحكومات المتعاقبة والتي لم تكن معنية بإدارة شؤون البلاد الاقتصادية وتقديم الخدمات العامة بقدر انشغالها بالتنافس على نهب الدولة ومقدرات البلاد.

سوف يراقب المحتجون عن قرب آليات تشكيل تلك الحكومة والشخصيات التي سيلقى على عاتقها إخراج البلاد من مأزقها الحالي. لكن الشك لا يزال هو المسيطر على الانتفاضة اللبنانية بسبب إدراكها أن المشكلة لم تكن في الحكومة المستقيلة ووزرائها بل في النظام السياسي الذي وضعهم في مناصبهم في المقام الأول. والحال هذه، لن يكون الحل اليوم هو وضع شخصيات جديدة في قلب منظومة فاسدة ومهترئة وخاضعة، في مفاصلها الرئيسية، لهيمنة التحالف الطائفي الحاكم.

المطلوب إذن ليس تجاوز الحكومة القديمة بل تجاوز الأحزاب والمنظومة القائمة. المطلوب حكومة انتقالية مستندة إلى قوة الشارع وليست إلى قوة الأحزاب من أجل إعادة صياغة النظام السياسي وتقرير مستقبل البلاد. يتطلب ذلك أن تحافظ الانتفاضة على قوتها الشعبية وزخمها باعتبارها حراكا عابرا للطوائف، قام بتوحيد القواعد الشعبية التي ظنتها الأحزاب الطائفية أنها مغلقة وحبيسة مخاوفها من “الآخر” الطائفي بصرف النظر عن تطورات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

 جذبت الانتفاضة مئات الآلاف من اللبنانيين وغيرت رأي ومشاعر ملايين آخرين وذلك تحت عناوين جذرية تتعلق بإسقاط السلطة. هذا هو مصدر قوتها الذي، في حال حافظت عليه، سيكون بإمكانها فرض حكومة بصلاحيات وقدرات استثنائية تفتح طريق التغيير في لبنان.

هل تنجح قوة الشارع في فرض ذلك؟ هذا سؤال آخر يعتمد على مدى نضوج تطلعات الشارع اللبناني بعقد اجتماعي جديد وعلى إمكانيات القوى السياسية والمدنية المنظمة للحراك في مواصلة التعبئة الشعبية من جهة، وتنفيس البالونات الطائفية التي تقذفها باستمرار سلطات الأمر الواقع، وبشكل خاص حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، من جهة أخرى.

وإذ يتعرض المتظاهرون للضغوط والهجمات المتتالية من الأطراف المذكورة باعتبارها المتضرر الأول من كل تغيير سياسي يجري في لبنان مهما تدنت مستوياته، يحاول ذلك الفريق تشويش صورة الانتفاضة الشعبية التي أحدثت انقساما أفقيا أخفى الانقسامات العمودية الطائفية، التي كانت تفتت المجتمع السياسي اللبناني والدولة على السواء. ويحاول حزب الله إعادة تلك الخطوط العمودية من خلال إظهار الانتفاضة على أنها موجهة ضد الحزب وجمهوره.

 في حال لم ينجح الشارع في فرض التغيير الجذري الذي يحتاجه لبنان، لن يكون هنالك حل لأزمات المجتمع اللبناني؛ فأي مخرج مؤقت للأزمة، لن يفعل شيئا سوى فتح الباب لأزمة جديدة، ينزل فيها الناس إلى الشارع في جولة جديدة لتحقيق مطالبهم.

8