لبنان وسياسة النبذ العربي

نموذج العراق ينبغي ألّا يتكرر. فبغض النظر عن حزب الله وزيف مقاومته وعون بتياره الحر والحريري الذي لم يرث من أبيه سوى اللّقب، فإن الوقوف مع الشعب اللبناني هو غاية غير خاضعة للنقاش.
الأحد 2021/05/02
لبنان اليوم في أسوأ حالاته

عام 1990 فُرض الحصار الدولي على العراق بموجب قرارات صدرت عن مجلس الأمن عقابا له على احتلال الكويت.

كان القصد من تلك القرارات إجبار العراق على الخروج من الكويت. أما وقد تم إخراج القوات العراقية من الكويت بعد حرب مدمّرة، فإن ذلك القصد قد تحوّل إلى مسعى لإذلال العراقيين وتجويعهم وتدمير البنية التحتية لحياتهم وهو ما جرى فعلا تحت ذريعة البحث عن أسلحة الدمار الشامل التي تبين في ما بعد أنها مجرّد كذبة، لفّقتها الإدارة الأميركية وصدّقها العالم كله.

عانى الشعب العراقي عبر ثلاث عشرة سنة هي عمر ذلك الحصار من قسوة النبذ العالمي، وكانت عيون العراقيين يومها ترنو إلى إخوتهم العرب. غير أن ما ساءهم أن إخوتهم لم يحركوا ساكنا وتركوهم فريسة ضياع ستظهر آثاره في ما بعد.

كان من نتائج ذلك السلوك أن صلة العراق بمحيطه العربي قد شابتها الكثير من الظنون السيئة التي صارت جزءا من ثقافة الإنسان العادي في العراق. وهو ما لا يمكن التخلص منه بيسر وإعادة النفوس إلى ما كانت عليه. كان شعور العراقيين بالنبذ من قبل إخوتهم أكثر قسوة من فجائع الحصار الأخرى.

لقد خاب أملهم في ما آمنوا به ونذروا وجودهم وثرواتهم من أجله وكانوا على يقين من أنهم يقفون على أرض صلبة.

وكما أتوقع فإن النظام السياسي العربي لم يكن جاهلا بالخطيئة التي ارتكبت بحق الشعب العراقي غير أنه لم يتدارك ذلك بسبب ترهله وضعف بصيرته وعدم اتزان تقديراته واضطراب قراءته لما يجري من حوله بحيث صار الخلط بين نظام صدام حسين والشعب العراقي حدثا مقبولا.

كان ذلك مؤشرا على اختلال الرؤية السياسية وعدم وضع الأمور في مكانها الصحيح. فنظام صدام حسين الذي اختفى لم يكن قد تأثر بالحصار الذي قاد الشعب العراقي الذي لا يزال شاخصا إلى هلاكه المادي والمعنوي.

ذلك درس ينبغي تأمل خلاصاته واستخلاص العبر منه.

غير أن ما يجري مع لبنان اليوم لا يشير إلى أن أحدا قد تعلم من درس العراق شيئا. اللبنانيون اليوم محاصرون. العالم يحاصرهم لأسباب كثيرة. فشل الطبقة السياسية الممسكة بزمام القرار وفسادها. الانهيار المالي الذي يعصى على الحلول التي يضعها صندوق النقد الدولي. حزب الله وهو الممثل المعتمد للنظام الإيراني بدولته التي تقف بين دولة لبنان والمجتمع الدولي. انفجار ميناء بيروت الذي يعطي فكرة مختصرة وذكية عن لبنان التائه.

Thumbnail

وإذا كان المجتمع الدولي قد قرّر أن يرفع يده عن لبنان بسبب تعسّر الوصول إلى جوهر شفائه فهو لا يريد العالم أن يمر بحارة حريك من أجل أن يصل إلى لبنان فإن طريقة تصريف الشؤون اللبنانية ينبغي أن تكون مختلفة بالنسبة إلى العرب الذين صاروا على علم بأنّ خلطهم السابق بين الشعب العراقي والنظام السياسي قد أدى إلى كارثة إنسانية. لذلك ليس مقبولا أن ينضمّ العرب إلى المجتمع الدولي في نبذ لبنان واللبنانيين.

يعرف العرب لبنان بمناقبه ومثالبه. يعرفون الشرك الذي مثله اتفاق القاهرة عام 1969 وشاركوا من بعده في فصول الحرب الأهلية وغضوا الطرف عن صعود نجم المقاومة الكاذبة وهم يعرفون أن إيران قد سبقتهم إلى التسلل إلى قاع المجتمع اللبناني. ولهذا يمكن القول إن لبنان حزب الله ليس صناعة إيرانية خاصة. لقد ساهم العرب في اختراعه، سواء بأموالهم أو بغض الطرف عمّا يجري فيه.

اليوم يعيش لبنان في أسوأ حالاته. صار محمية إيرانية. ولكن لا يزال هناك شعب لبناني لا ينتظر شيئا من رئيس حكومته المؤقت الذي ينتظر بفارغ الصبر تشكيل حكومة جديدة ليذهب للعمل في قطر. وهو لا ينظر بعين التفاؤل إلى رئيس الوزراء المكلّف الكسول والميؤوس منه سعد الحريري. أما ميشال عون ونبيه بري وهما رئيسان فإنهما ينتميان إلى سلالة منقرضة بالنسبة إلى الناس العاديين. ذلك شعب يقف على الهاوية معزولا عن العالم وينتظر طوق نجاة من العرب.

الوضع في لبنان في غاية الحساسية لا من جهة مَن يحكم بل من جهة مَن سيدفع الثمن. نموذج العراق ينبغي ألاّ يتكرر. فبغض النظر عن حزب الله بإيرانيته وزيف مقاومته وعون بتياره الحر الذي احتكره صهره وبري باعتباره أثرا من الحرب الأهلية والحريري الذي لم يرث من أبيه سوى اللقب فإن الوقوف مع الشعب اللبناني هو غاية غير خاضعة للنقاش.

ينبغي ألا يتعرض الشعب اللبناني إلى النبذ وإلا خسرنا لبنان إلى الأبد.

ليذهب المجتمع الدولي إلى ما يريد في معالجته للشأن اللبناني. أما العرب فينبغي ألا تقف مخدرات حزب الله بينهم وبين الشعب اللبناني.

4