لبنان ونكتة "واحة الحريات"

يبدو أن طبيعة النظام وقواه المسيطرة لا تحتمل النقد ولا المساءلة، خصوصا من ناشطين مستقلين لا سند لهم في السلطة وغير محسوبين على واحدة من القوى المتحكمة بها.
الأربعاء 2018/07/25
تضييق على الحريات

لطالما تغنى كثيرون، عربا ولبنانيين، بالحريات التي ينعم بها اللبنانيون حتى بدا وكأن لبنان واحة للحريات في محيط عربي يعاني القمع والاستبداد. ورغم أنه كان في ذلك الكثير من المبالغة، إلا أن السنتين الأخيرتين شهدتا تراجعا حادا في احترام حرية التعبير على وجه الخصوص التي ميزت لبنان فعلا في مراحل سابقة. ففي مقابل اتساع مساحة التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتحول العبارة إلى تهمة قد تودي بصاحبها إلى التحقيق والاعتقال، ما جعل صفة “بلد الحريات”
نكتة سمجة بحسب العديد من المعلقين.

كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد من التضييق على الحريات كافة وعلى حرية التعبير بوجه خاص حتى غدا وكأن تعرض المدونين والصحافيين والإعلاميين والناشطين عموما للملاحقة والتوقيف والاستجواب والتحقيق والتعنيف وتلفيق التهم والمنع من النشر أمر روتيني لا يكاد يمر أسبوع دون أن يحدث مرة أو مرتين؟

إذا حاولنا النظر في طبيعة المواضيع التي أدّت إلى تعرض الإعلاميين والناشطين إلى الملاحقة يمكن أن نصنف معظمها في ثلاث خانات رئيسية، نقد الواقع المأساوي على الصعد الاقتصادية والخدمية والبيئية والثقافية الذي وصل إليه البلد في ظل سيطرة القوى المؤتلفة في السلطة على مدى أكثر من عقد من الزمن، نقد الفساد المالي والإداري والقضائي الذي يمارس بمشاركة ورعاية هذه القوى، نقد تورط قوى في السلطة في قهر الانتفاضات والثورات الشعبية العربية. وبالتالي فإن المشترك في كل ذلك هو توجيه النقد إلى قوى السلطة التي أوصلت البلاد إلى وضع لا تحسد عليه في جميع المجالات. فهل باتت الصرخة التي يدفع إليها الألم قضية تستدعي المحاكمة؟

يبدو أن طبيعة النظام وقواه المسيطرة لا تحتمل النقد ولا المساءلة، خصوصا من ناشطين مستقلين لا سند لهم في السلطة وغير محسوبين على واحدة من القوى المتحكمة بها. فالاتهامات التي يتبادلها أركان النظام في سوق المحاصصة وتقاسم مغانم السلطة، رغم فداحة تلك الاتهامات، لا تؤدي إلى القضاء، وإشهار الفضائح اليومية بالإثباتات والوثائق التي يعلن عنها هذا الفريق بوجه فريق آخر من قوى السلطة لا تستدعي الملاحقة، ونهب المال العام على رؤوس الأشهاد لا يحرك النيابة العامة “عفوا”، أما منشور على وسائل التواصل الاجتماعي ينشره ناشط مستقل يتناول هذه الفضائح بالذات أو إحداها فيحرك أجهزة أمنية بعينها لتوقيف ناشط بعينه وإحضاره أمام قاض بعينه! وهنا يتوقف هذا التعيين على، ربما، طبيعة الانتماء المذهبي أو السياسي المحتمل لهذا الناشط أو ذاك.

ويلاحظ أن غالبية هذه الاستدعاءات والملاحقات والتوقيفات التي تنتهي عموما بتعهد غير قانوني بالصمت عما يجري أو حيال سلوكيات قوى السلطة، هي عموما غير قانونية تبعا للقوانين النافذة، ومع ذلك يستمر العمل بها وكأنها من صلب القانون.

مما لا شك فيه أن انهيار الثورات العربية واستعادة قوى الاستبداد للسيطرة وبسط النفوذ، طبعا بدعم غير محدود من قوى النظامين الإقليمي والدولي، ومساهمة حزب الله اللبناني بذلك بفاعلية على الساحتين السورية والعربية، وإمساكه بالتالي بمفاتيح السلطة في لبنان، جعل من السهل تحويل هذا البلد إلى مساحة إضافية لسيطرة قوى الاستبداد وتكميم الأفواه.

ومن الجدير بالملاحظة، أن أي كلام يقال عبر الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ويعزز الانقسام الطائفي والمذهبي لا حسيب عليه، بينما يتعرض أصحاب المنشورات التي يتلاقى حولها مواطنون مستقلون يطلبون عيشا كريما في وطن حر للتهديد والملاحقة.

9