لبنان يختار طريق الاعتدال ثانية للخروج من أزمته

الثلاثاء 2014/08/19
عودة الحريري كانت محل ترحيب حتى من قبل أعدائه اللدودين

بيروت - التهديدات المحيطة التي أضحت تحفّ بلبنان في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى الارتباك السياسي الداخلي وضعف المؤسسة العسكرية وتعاظم انفلاتات حزب الله المتورّط في نزاع سوري لا يمكن للبنان أن يحتمل عواقبه التي يمكن أن تشعل حربا أهلية سبق له أن ذاق ويلاتها، كلّها عوامل جعلت من عودة سعد الحريري إلى الساحة السياسية محطّ أنظار وانتظارات الجميع، بحسب دراسة صادرة عن مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري(إينجما).

الوضع الإقليمي، المتّسم بالخطورة والتقلّب، الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، وتورّط حزب الله في الصراع الدائر في سوريا، جعلا لبنان الذي يعاني ضعفا على مستوى التسلّح والاستقرار، طرفا في نزاع لا ناقة له فيه ولا جمل، وهو العاجز منذ مدّة عن الخروج من أزمة سياسية خانقة حفّت به وجعلته في مرمى نيران “داعش” التي أتت على الأخضر واليابس في منطقة أصبحت تعدّ من بين أكبر بؤر التوتّر في العالم.

في ظلّ هذه الوضعية والظروف التي أصبحت تهدد الداخل اللبناني بحرب أهلية، ربما تعيده إلى زمن يروم نسيانه، مازالت آثاره الدموية تقض مضاجع اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، ظهر طارئ جديد، تمثّل في عودة سعد الحريري، رئيس الوزراء السني الأسبق إلى البلاد وإلى الساحة السياسية عموما.

عودة حملت معها أسئلة عدّة عن الأسباب التي تكمن وراءها في مثل هذا التوقيت بالتحديد، وعن انتظارات اللبنانيين من هذا السياسي الذي حمل معه مساعدة سخية للجيش اللبناني، بإمضاء سعودي، في هذا الظرف الذي تتزايد فيه حاجة المؤسسة العسكرية اللبنانية للدعم المادي والمعنوي بفعل التهديدات المحيطة.

اكتشف خصوم الحريري بعد ثلاث سنوات أن البديل عن سياساته المعتدلة، هو تنامي المجموعات السنية المتطرفة


عودة الحريري تقوية للمعتدلين


“لقد عاد”، ذلك ما قاله أغلب اللبنانيين مع تنهيدة ارتياح حول العودة المفاجئة لسعد الحريري رئيس الوزراء السابق وزعيم الكتلة البرلمانية الأكبر. وحتى أعداؤه اللدودين من الحزبين الشيعيين “حزب الله” و”حركة أمل” رحبوا بعودته، حتى وإن كانوا قد ساهموا بشكل كبير في سقوط الحكومة التي ترأسها في ديسمبر 2010، والمنفى الاختياري الذي لجأ إليه لاحقا بسبب التهديدات الأمنية التي طالت حياته من قبل مجموعات مدعومة من قبل كلّ من سوريا وإيران، بحسب ما جاء في الدراسة الصادرة عن مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري(إينجما).

اكتشف خصوم الحريري بعد ثلاث سنوات أن البديل عن سياساته المعتدلة، هو تنامي المجموعات السنية المتطرفة في لبنان المرتبطة بتنظيمات إرهابية مثل القاعدة و”داعش”. وهذه الحقيقة أصبحت شديدة الوضوح مؤخرا في استعراض القوة الذي شهدته مدينة عرسال، على الحدود السورية شمال شرق لبنان، بين القوات المسلحة اللبنانية والمجموعات المسلحة المتطرّفة.

فقد قام الآلاف من المسلحين التابعين لكلّ من تنظيم “داعش” و”جبهة النصرة” الموالية للقاعدة، بتنفيذ هجمة مباغتة على مواقع الجيش اللبناني حول عرسال، مما أدى إلى قتل خمسة عشر جنديا لبنانيا وأسر عشرين آخرين، وبعد بضعة أيام استرجع الجيش اللبناني المواقع التي خسرها. لكن ما أثار مخاوف الكثير من المسؤولين اللبنانيين هو تصاعد التوترات الطائفية في البلاد بين السنة والشيعة.

فبعد أن أرسل حزب الله مقاتلين إلى سوريا لمساعدة النظام السوري في معركته ضد الثوار، وقفت السلطات اللبنانية مكتوفة الأيدي لمنع مقاتلي حزب الله من عبور الحدود من سوريا وإليها.

وهذا الأمر أشعر السنة اللبنانيين المعتدلين في معظمهم بالإحباط، حيث رأوا أن قيادتهم السياسية اللبنانية “ضعفت” بخلع الحريري، ثم شعروا بأنهم غير قادرين على فعل الشيء الكثير لمساعدة الثوار السوريين الذين يعتنقون المذهب السني في معظمهم.

هذا الفراغ السياسي فسح المجال أمام شيوخ السنة المتشددين، للظهور على الساحة السياسية اللبنانية والشروع في التأثير على بعض الجاليات اللبنانية الّتي أصبحت أكثر تعاطفا مع الثوار السوريين، وحتى المتطرفين منهم. وفي معارك عرسال لم يكن السياسيون السنة هم من خرج لمحاولة تهدئة الوضع في المدينة السنية، بل قام شيوخ سنّة منضوون تحت راية جمعية العلماء المسلمين بترؤس عمليات الوساطة مع المجموعات المسلحة المتطرفة التي أدت إلى انسحابها من عرسال إلى الأراضي السورية.

أدى ضعف القيادة السياسية السنية في لبنان إلى تقويض القيادة السنية الروحية وتوسع دائرة الغلو والتطرف


الخطر الطائفي المحدق


وأفادت الدراسة الصادرة عن مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري(إينجما)، بأنّ حادثة عرسال لم تكن سوى آخر حلقة في سلسلة من الأحداث التي زادت في حدة التوتر الطائفي في لبنان. فمنذ بضعة أشهر شهدت عدة أحياء شيعية في لبنان موجة من التفجيرات الانتحارية التي قام بها عدد من المتطرفين المرتبطين بـ”داعش” وجبهة النصرة.

كذلك شهدت طرابلس المدينة ذات الأغلبية الشيعية، الواقعة شمال لبنان، مواجهات بين مسلحين سنيين ومجموعة مرتبطة بحزب الله وبالنظام السوري. وانتهت هذه المواجهات بفرار قائد المجموعة السنية وانتشار جنود لبنانيين في مناطق المعركة. لكن أدى ضعف القيادة السياسية السنية في لبنان بدوره إلى تقويض القيادة السنية الروحية التي كانت تستعد لانتخاب “مفتيها الأكبر” الجديد.

وهكذا، وفي غمرة هذا التوتر والفوضى، باتت عودة الحريري أمرا مستوجبا عند كلّ اللبنانيّين.

ومن جهته، لم يعد الحريري فارغ اليدين، بل عاد يحمل معه هبة بقيمة مليار دولار من المملكة العربية السعودية إلى القوات المسلحة اللبنانية والأجهزة الأمنية، في خطوة أبرزت الفوارق بين سياسات كلّ من الرياض وطهران تجاه لبنان، فبينما تقوم إيران بتزويد حزب الله بالأسلحة ممّا يؤدي إلى إضعاف الحكومة المركزية، تعمد العربية السعودية إلى توفير التمويلات إلى الجيش اللبناني لتحسين تسليحه من أجل مواجهة التهديدات التي تطرحها المجموعات الإرهابية وتدعيــم الدولة.

وقد سبق أن أعلنت الرياض في أبريل الماضي عن نيتها تمويل خطة تزويد بقيمة ثلاثة مليارات من الدولارات بين لبنان وفرنسا لتجهيز الجيش اللبناني بأسلحة وأنظمة دفاع متنوعة، وبالمقابل عاد الحريري الذي حمل أولى بشائر هذا الدعم ليصرّح أنّه عاد ليتزعم المسلمين المعتدلين.

التدخل من قبل حزب الله في حرب سوريا يصعد نزعة التشدد داخل أجزاء من الأحياء السنية المفقرة في لبنان

لقد جلب وجود الحريري في لبنان وبشكل ملحوظ حلولا سريعة لمشاكل كانت تواجهها الجالية السنية، إذ تم انتخاب “المفتي الأكبر” في ظرف 48 ساعة من عودته، كما نظّم مأدبة غداء جمعت بين كبار الزعماء السنيّين بما في ذلك رئيس الوزراء نجيب ميقاتي، الّذي سبق له أن عارض الحريري سنة 2011 وترأس الحكومة المدعومة من قبل حزب الله وأحزاب أخرى موالية لكلّ من إيران وسوريا في لبنان. وقد أدّت هذه التطوّرات المتسارعة إلى تأكيد الحريري كزعيم للسنيّين غير متنازع حوله في لبنان، وثبتت مكانته كـ”زعيم وطني”.

لكن، ورغم كلّ هذه التطورات، تبقى مشاكل لبنان بعيدة عن الحل النهائي؛ فالبلاد مازالت تسيُّر أمورها دون رئيس في انتظار حصُول اتفاق بين الأحزاب السياسية اللبنانية على اختيار مرشح. كما أنّ المدة البرلمانية تنتهي في أواخر سبتمبر المقبل في ظل شكوك حول إمكانية إجراء انتخابات عامة في البلاد في الظروف السياسية والأمنية الراهنة. إضافة إلى ذلك مازالت الصعوبات الاقتصادية الحادة متنامية على جميع المستويات، ومن جانب آخر هناك إمكانية امتداد الحرب الدائرة رحاها في سوريا إلى الأراضي اللبنانية بسبب تواصل تورط حزب الله، وهذا التدخل من حزب الله في حرب سوريا يصعد نزعة التشدد داخل أجزاء من الأحياء السنية المفقرة في شمال لبنان وشرقه، وخاصة في المدن والقرى الحدودية. وفي هذا السياق، كشفت مصادر أمنية لبنانية عن ارتفاع مستوى المساندة للمجموعات المتطرفة السورية داخل بعض القرى على طول الحدود مع سوريا، وتخشى هذه المصادر من إمكانية تنامي هذه الظاهرة نتيجة لتواصل تدخل حزب الله في النزاع الدائر في سوريا.


تسليح الجيش أوكد الأولويات


وبناء على ما ذكرته الدراسة، وعلى الرغم من أن عودة الحريري أعطت دفعا للطائفة السنية المعتدلة ورفعت معنويات بعض الأطراف، إلاّ أنّ ذلك لا يكفي لمساعدة لبنان على مواجهة التهديدات المتنامية لمجموعات مثل “داعش” و”جبهة النصرة”. فالحريري قادر على المساعدة في توجيه حزبه والحكومة من أجل تطوير الأحياء السنية الفقيرة وإبقائها خارج تأثير المجموعات المتطرفة، إلاّ أنّ دعم الجيش اللبناني يبقى من أوكد الأولويّات وأهمها، حيث أنه مازال في حاجة ماسّة إلى أسلحة وأنظمة دفاعية أكثر تطورا للتعامل مع مقاتلين إسلاميين يتمتعون بخبرة قتالية عالية، ومسلحين جيدا، مثل أولائك الذين واجهوهم في عرسال.

وفي هذا السياق، أفاد مسؤول عسكري لبناني سام بأنّ الجيش اللبناني في حاجة ماسة إلى مساندة جوية قوية مزودة بأسلحة دقيقة وفعالة، مضيفا أنّ الجهاز الوحيد الذي تمتلكه القوات المسلحة اللبنانية والذي يتمتّع بقدرة استطلاعية جيدة مع مساندة جوية فعالة هو طائرة “سيسناكرافان” المجهزة بصواريخ هيلفاير. كما أشار المسؤول العسكري إلى أنّ الولايات المتحدة رفضت تجهيز طائرة سيسنا الثانية التي أعطتها للقوات اللبنانية بصواريخ هيلفاير. وأضاف قائلا: “نتمنى أن تسرع الولايات المتحدة في تسليم طائرات من طراز “12 أي تي-6″ للدعم الجوي اللصيق التي وعدت بها القوات المسلحة اللبنانية”، مبيّنا أنّ الجيش اللبناني لا يمكنه استخدام طائرات الهليكوبتر من نوع “غزال” المجهزة بالرشاشات، لأنها غير مجهزة بأية أسلحة دقيقة ويمكن للأسلحة الثقيلة لدى الإرهابيين إسقاطها بسهولة.

كما أضاف قائلا: “علينا أن نكون مبتكرين مرّة أخرى، وأن نتوجه إلى مهندسي القوات الجوية الّذين أدخلوا تعديلات على طائرات هليكوبتر “بوما” وجهزوها برشاشات 30 مم وقاذفات صواريخ 70 مم، وقد أثبتت نجاعتها في معارك عرسال”.

ومن جهة أخرى، لفت المسؤول العسكري إلى أنّ ذلك لا يكفي، إذ هناك حاجة إلى عدد من الدبابات بعد عطب دبابات “تي-55″ الروسية أثناء المعركة، ممّا جعل القوات المسلحة اللبنانية تعتمد على دبابات “10 أم-60″ الوحيدة التي زودتها بها الولايات المتحدة منذ سنوات إلى جانب بعض دبابات “أم-48″ التي مازالت صالحة للاستعمال.

كما أعرب عن أمله في أنّ تعامل كلّ من الولايات المتحدة والدول الأروبّية القوات المسلحة اللبنانية بمثل ما تعامل به الجيش العراقي، الذي يقاتل العدو نفسه ممثّلا في تنظيم “داعش”.

وبيّن أنّ الجيش اللبناني في حاجة ماسة إلى أسلحة دقيقة وطائرات مهاجمة وأنظمة دفاعية لمساعدته على مواجهة الإرهاب، خاصة وأن معركة عرسال حسب رأيه ما هي إلّا “الجولة الأولى مع داعش”، ولن تتأخر “الجولة الثانية” كثيرا حتى تبدأ.

خلاصة القول، وبحسب ما خلصت إليه الدراسة الصادرة عن مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري(إينجما)، فإنّه بات من الواضح أنّ عودة الحريري تأتي في ظرف حساس من المشهد السياسي اللبناني الداخلي، فضلا عن ما يحتاجه الجيش اللبناني لتحسين قدراته. وسنرى في الأشهر المقبلة تقديم الحريري لبرنامجه من خلال دعم الجيش إلى جانب عقد اتفاقات مع أغلب الطوائف اللبنانية، وربما سيجد نفسه مرّة أخرى رئيسا للوزراء في لبنان.

6