لبنان يدخل مرحلة ترامب بعجز تشريعي وأمني وعقم سياسي

الأحد 2017/01/22
علينا ترتيب البيت استعدادا للترامبية

بيروت - يستقبل لبنان لحظة تنصيب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية بكل ما فيها من مخاطر والتباسات بعجز تشريعي وأمني، وعقم سياسي.

يحتل الواجهة الأمنية مشهد خطف رجل الأعمال اللبناني سعد ريشا في وضح النهار وعجز القوى الأمنية عن القبض على خاطفيه المعروفين قبل عودته إثر عملية تفاوض قادها الرئيس نبيه بري.

تشريعيا، لم تفرز الجلسات النيابية التشريعية بنية قانونية فاعلة. بقي القانون الأكثر إلحاحا، أي قانون الانتخاب خارج جدول أعمالها.

وكان أبرز ما أفرزته قانون إيجارات مثير للجدل، إضافة إلى قانون يتعلق بالحق في الوصول إلى المعلومات، لم تتضح بعد كيفية عمله ولا الآليات التي سيتم اعتمادها لتطبيقه في اللحظة التي يشتكي فيها النواب أنفسهم من حرمانهم من المعلومات كما جرى في ملف النفط.

تزامنت لحظة تنصيب ترامب المقلقة مع زيارة غامضة للأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط إلى لبنان. وكان لافتا أن الإعلان عن هذه الزيارة ركّز على قصرها وعلى أنها ستدوم لعدة ساعات فقط.

وقرأ مراقبون توقيت هذه الزيارة على أنها محاولة لترتيب أزمة العلاقات العربية-العربية التي تفاقمت بين عدة دول والتي كان أبرزها مؤخرا ارتفاع منسوب التوتر السعودي المصري.

لا يشك أحد في أن مرحلة ترامب ستنتج وقائع جديدة سيكون على العالم كله التعامل معها، وسيكون على كل دولة أن تبني نظام تعاملها الخاص مع هذه التطورات التي يبدو أنها ستكون متسارعة. وكرّر ترامب الرئيس جلّ ما جاء في خطاب ترامب المرشح.

وأعاد التأكيد على ما كان يثير مخاوف المنطقة كلها، أي ربط الإسلام بالإرهاب، والتأكيد على أن عنوان محاربة الإرهاب الإسلامي سيكون العنوان الرئيسي لحكمه والذي سيشكل على أساسه خارطة تحالفاته مع العالم المتحضر.

يقع لبنان في قلب عاصفة الحرب المفتوحة على الإرهاب وتناقضاتها فقد عمدت إدارة أوباما إلى تقديم المساعدات لجيشه تحت عنوان مساعدته على محاربة الإرهاب في حين أنّها تصنف حزب الله، المشارك في الحرب السورية، والممثل في الحكومة حزبا إرهابيا.

لا يبدو ترامب ميالا لتكرار هذا المنطق نفسه حيث لم يظهر الرئيس المنتخب أيّ عناية أو رغبة في التدقيق بصدد الأحكام التي يطلقها على الدول أو الجماعات. يبدو العالم في الرؤية الترامبية منقسما إلى معسكرين متناقضين هما معسكر الترامبيين ومعسكر الأعداء.

تقول المؤشرات الأمنية والاقتصادية والسياسية إن لبنان يعاني من تصدعات عميقة في كل البنى التي تقوم عليها الدولة. ولم تنجح عملية سد الفراغ الرئاسي والحكومي في خلق جهاز مناعة عام يقي البلد من شر الأزمات

وتاليا يمكن القول إنه إذا كانت دول أوروبا، الحليف التاريخي لأميركا، لا تطابق المعايير الترامبية، فإنه من غير المتوقع سوى أن يترك لروسيا البوتينية مهمة ترتيب شؤون منطقة الشرق الأوسط بشكل يلائم خرائط النفوذ الجديدة والتحالف المستجد بين أميركا وخصمها التقليدي.

تقول المؤشرات الأمنية والاقتصادية والسياسية إن لبنان يعاني من تصدعات عميقة في كل البنى التي تقوم عليها الدولة. ولم تنجح عملية سد الفراغ الرئاسي والحكومي في خلق جهاز مناعة عام يقي البلد من شر الأزمات.

بل بدا أن سدّ الفراغ كان نتيجة لهذه الأزمات واستكمالا لها وليس نهاية، فكيف سيتعامل بلد بهذه الدرجة من الهشاشة مع زمن الراديكالية والعدائية الذي يمثله دونالد ترامب؟

النأي بالنفس

ويرجّح فادي كرم، النائب عن كتلة القوات اللبنانية، أن يعتمد ترامب “سياسة المبادرة وليس سياسة الانكفاء”. يؤكد أنه من الصعب “الحكم على مقدار إيجابيتها أو سلبيتها، ولكن علينا كأبناء المنطقة أن ندرك مصالحنا وأن نمتلك رؤية لمصالح شعوبنا، وأن نتضافر مع بعضنا كي نحمي المنطقة من الأمور التي تحدث ضدها”.

يشير إلى الأزمة التي من الممكن أن يفتحها وجود حزب الله في الحكومة اللبنانية في ظل أولوية ترامب القاضية بمحاربة الإرهاب معتبرا أن “وجود حزب الله في الحكومة اللبنانية هو مسألة عادية لأنه حزب لبناني وشراكته اللبنانية ضرورية. مشكلة حزب الله هي حروبه الإقليمية ومشاريعه المرتبطة بالنظام الإيراني والذي يتدخل في شؤون الدول ويتعدى على سيادات الدول العربية. إذا استمر حزب الله في ممارسة السياسة نفسها فإنه من المتوقع أن يؤدي ذلك إلى أزمة لا تحمد عقباها في عهد ترامب”.

ويضيف “من هذا المنطلق حاولنا أن نقنع حزب الله بأن الأفضل له وللبنان ولكافة الأفرقاء اللبنانيين، أن ينكفئ عن الحروب في المنطقة وأن يمتنع عن التدخل في الشؤون الداخلية لكل الدول العربية، وحرصنا على أن يتضمن بيان الحكومة صيغة تؤكد على ضرورة اليوم وهي إبعاد لبنان عن الحروب الإقليمية”.

ويضع النائب القواتي زيارة أحمد أبو الغيط إلى لبنان في إطار تفعيل “التواصل بين الدول العربية والاستعداد لمرحلة جديدة سنشهدها من قبل الإدارة الأميركية. ولا شك أن هناك تحولا كبيرا في السياسة الأميركية، فهل سيكون هذا التحول في صالح شعوب المنطقة أو سيأخذها إلى تصادمات أكبر؟ قد يكون من المبكّر الحكم على ما ستفرزه مرحلة ترامب ولكن من المؤكد أنها تتطلب وعيا كاملا وتضافرا بين القيمين على المنطقة، ووقفة مسؤولية وصمود أمام ما يحدث، كما يجب على الصعيد اللبناني العمل على قيام الدولة وفكفكة الدويلة”.

عودة اللاجئين

يعرض نبيل الحلبي، المحامي ومدير مؤسسة لايف الحقوقية، مجموعة من الملفات المرشحة للانفجار في عهد ترامب، والتي تطال تأثيراتها لبنان مؤكدا على أن “وصول ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية ستكون له تداعيات أكيدة على المنطقة، ولبنان جزء منها. وإدارة ترامب معادية لملف تصدير الثورة الإيرانية في المنطقة وللميليشيات المحسوبة على إيران من قبيل الحرس الثوري. أظن أنه سيعمد إلى تمديد العقوبات على إيران والميليشيات التابعة لها كالحرس الثوري وفيلق القدس، وإبقاء وضع حزب الله على لائحة الإرهاب الأميركية، كما تمديد العقوبات الاقتصادية وتضييق مصادر تمويل الحزب”.

ويعتبر الحلبي أنه في الموضوع السوري “قد يشكل ترامب إضافة جديدة للاتفاق التركي الروسي باعتبار أنه يمكن ضم أميركا في ظل إدارته إلى هذا الاتفاق، وهذا يقوّي مؤتمر أستانة للحرب في سوريا. ترامب لديه رغبة في القضاء على داعش والتنظيمات المتطرفة السنية في سوريا، وهو يرغب في الوقت نفسه في إبعاد إيران عن الملف السوري. قد يتوافق ترامب مع الروس والأتراك في الدعوة إلى انسحاب المقاتلين الأجانب من سوريا، وهذا يؤثر مباشرة على لبنان من خلال حزب الله”.

ويشير الحلبي إلى التأثيرات على ملف اللجوء السوري مؤكدا أن “ملف اللاجئين في لبنان أو غير لبنان يتعلق بالوضع الميداني في سوريا فإذا كان هناك تثبيت لوقف إطلاق النار، يمكن أن يقوم ترامب بالاتفاق مع روسيا بأخذ القرار بوقف إطلاق النار إلى مجلس الأمن لتثبيته تحت الفصل السابع. تاليا تصبح عودة اللاجئين السوريين من لبنان أو غيرها من دول الجوار لسوريا أمرا ممكنا وقابلا للتنفيذ، فتنتقل حينها المخيمات إلى مناطق داخل سوريا حيث لم يعد هناك إطلاق نار أو تهديد لحياة اللاجئين”.

لا يخفي الحلبي قلقه حول موضوع حقوق الإنسان في المنطقة نظرا لتشابكها مع مشروع الحرب على الإرهاب. ويقول “من ناحية حقوق الإنسان أظن أن التجربة السابقة مع الإدارات الأمير كية خاصة مع المحافظين، كانت سيئة لأن قضية مكافحة الإرهاب وما أفرزته من منطق الأمن الاستباقي، قامت على حساب حقوق الإنسان والحريات العامة مع أنه من المفترض أن تسير بشكل متواز احتراما لحقوق الإنسان، وعلى أساس من الاحترافية في محاربة الإرهاب دون شن عمليات استباقية يمكن أن تستهدف الأبرياء”.

الخبير الاقتصادي والباحث السياسي كامل وزنة يحصر التداعيات المتوقعة من وصول ترامب والمرتبطة بلبنان في ملف حزب الله وما يتفرع عنه ويرتبط به. ويعتبر أنه من المعروف أن للبنان وضعا خاصا في سياسة الولايات المتحدة الأميركية التي تحرص على ضمان استقراره

يتوقع الحلبي أن يكرر ترامب “الأداء نفسه الذي كان سائدا في عهد الرئيس بوش الابن وخصوصا لناحية اعتماد الحرب على الإرهاب بالوكالة. بعض الأنظمة العربية كانت تنتهك حقوق الإنسان مع شعوبها بالوكالة عن الإدارة الأميركية التي لا تستطيع أن تنتهكها بشكل فاضح لأنها تخاف من ملاحقة المنظمات الحقوقية الأميركية في المحاكم الأميركية، ولذلك اعتمدت غوانتانامو كسجن يقع خارج الصلاحية القانونية لأميركا، وقامت بما يشبه الصفقات السرية مع بعض دول أوروبا الشرقية وبعض الدول العربية، لاستحداث سجون سرية تحت عنوان الحرب الاستباقية على الإرهاب”.

لجم إيران

يعتبر النائب عن كتلة المستقبل خالد زهرمان أنه “إذا كان هناك موقف حاسم وواضح من الإدارة الأميركية بالتشدد تجاه إيران للحد من هذه السياسة التوسعية التي تستخدمها المنظومة الإيرانية بالكامل، سيكون لهذه السياسة تداعيات إيجابية على الوضع اللبناني. الاستمرار في السير وفق منطق سياسة أوباما تحت عنوان أن أميركا وإيران في خندق واحد لمحاربة داعش، سيضعنا أمام توجهات خاطئة لأن السياسة التي تقوم بها إيران في المنطقة هي التي تغذّي الفكر المتطرف، والقضاء على هذا الفكر يكون عبر إيقاف سياسة التدخل التي تتبعها إيران في العراق واليمن وسوريا ولبنان”.

ويضيف “أخطأت الدول العربية حين تعاملت مع المنظومة الدولية من خارج منطق المصالح، وفي اعتمادها خطابا يقوم على المبادئ وحسب، في حين تعاطت إيران مع المجتمع الدولي تحت عنوان المصالح. أعتقد أنه لو لم يكن المجتمع الدولي محتاجا للاتفاق النووي الذي وقّعه مع إيران انطلاقا من مصالح هذه الدول لم يكن ليحصل، وكانوا سيعتمدون سياسة أخرى. تاليا ما هو مطلوب من الدول العربية الآن ومن لبنان هو العمل على لملمة الصفوف، والخروج بسياسة موحدة باتجاه المجتمع الدولي وخصوصا تجاه الولايات المتحدة الأميركية، بوصفها الدولة الأكثر تأثيرا على الوضع في المنطقة والشروع في التعاطي معها عبر منطق المصالح”.

ويضع النائب المستقبلي زيارة أبو الغيط إلى لبنان في سياق “دعم البلد بعد الانتخابات الرئاسية والتوافق الحاصل في البلد. لا أريد أن أعطيها بعدا أكبر من ذلك، ونتمنى أن يكون هناك دور أكبر لجامعة الدول العربية في إعادة لملمة الصف العربي، وخصوصا بعد الخلاف الذي بدأ يظهر إلى السطح بين مصر والمملكة العربية السعودية. ونحن نعرف في الوطن العربي أن هاتين الدولتين هما رافعة الوضع العربي. من هنا يجب أن يبذل الأمين العام لجامعة الدول العربية جهودا كبيرة لإعادة تصحيح العلاقة بين المملكة ومصر لأن الوضع الذي تعيشه المنطقة ولبنان والتهديدات التي تطالها تستدعي ضرورة توحيد الصف بين الجميع”.

ويرد زهرمان على السؤال حول فشل المجلس النيابي في إقرار قانون انتخابي وإقرار الموازنة العامة، وأثر هذا الفشل على قدرة لبنان على التعامل مع تحديات مرحلة ترامب، فيقول في هذا الصدد “أظن أنه لا بدّ كي يصار إلى إقرار قانون جديد للانتخاب من أن يحصل توافق خارج المجلس النيابي. أعتقد أن التواصل والمشاورات يسيران على قدم وساق، وبمجرد أن يتم التوافق على صيغة معينة فالمجلس النيابي سيكون مستعد لإقرار هذا القانون.

في ما خص الموازنة فهي تحتاج بعضا من الوقت كي تحضر الحكومة هذا الملف، وهناك جهد منصبّ على هذا الموضوع كي تجهز الموازنة وتخرج إلى مجلس النواب. الأجواء كانت إيجابية في الجلسة، وهناك تعاون بين الجميع، والنقاشات موضوعية دون كيدية. ستنعكس هذه الأجواء على كل المواضيع الأخرى، فالجميع يعلمون أنه لا بديل عن هذا التوافق ورصّ الصفوف من أجل مواجهات تحديات مرحلة ترامب التي ستكون مختلفة عن مرحلة أوباما”.

الحفاظ على الاستقرار

يحصر الخبير الاقتصادي والباحث السياسي كامل وزنة التداعيات المتوقعة من وصول ترامب والمرتبطة بلبنان في ملف حزب الله وما يتفرع عنه ويرتبط به. ويعتبر أنه من المعروف أن للبنان “وضعا خاصا في سياسة الولايات المتحدة الأميركية التي تحرص على ضمان استقراره وليس هناك مصلحة لأيّ أحد بأن يكون هناك تشدد أو عدم استقرار في لبنان. الملف الاقتصادي لن يتغير في عهد ترامب، لكن التغير قد يطال الموضوع الأمني العسكري، لأن زيادة منسوب التعاطف مع إسرائيل قد يدفعها إلى التفكير بالقيام بعمل عسكري كبير يطال كل هيكلية حزب الله معتمدة على الدعم الكامل من الإدارة الأميركية”.

كاتب لبناني

4