لبنان يدفع ثمن الحرب في سوريا والعراق

الثلاثاء 2014/06/24
لبنان يدفع ضريبة حزب الله في سوريا: هجمات انتحارية واقتصاد يتراجع

بيروت- يدفع لبنان المضطرب سياسيا وأمنيا واقتصاديا، فاتورة التداعيات السلبية التي انعكست عليه والتي تسبب فيها تدخل حزب الله اللبناني وقتاله في سوريا لمساندة نظام الأسد، حيث يكاد المراقبون يجمعون على وصف لبنان بأنه البلد الأكثر هشاشة في الشرق الأوسط نظرا إلى خصوصية تركيبته السياسية والطائفية.

يمر لبنان في ظل المتغيرات السياسية التي اجتاحت المنطقة بفترة حرجة في ظل فراغ دستوري، فهو لم يتوصل إلى الآن إلى اختيار رئيس جمهورية، ويأتي ذلك متبوعا بالخلافات المستمرة بين الفرقاء اللبنانيين في 14 و8 آذار، والتي لم تقتصر فقط على مسألة عدم التوافق على المرشح للرئاسة بل تتعداها إلى مسائل أعمق من ذلك تتعلق بأن لبنان المهدد اقتصاده المتعثر يزداد سوءا يوما بعد يوم.

باندلاع الصراع السوري على مدى أكثر من 3 سنوات، تحمل لبنان المثقل بمشاكل سياسية و اقتصادية، عبئا إضافيا وهو الذي يستضيف ما يقارب نصف مليون من فلسطينيي 1948 في المخيمات الفلسطينية، وانضاف إليهم ما يقارب المليون و نصف المليون من اللاجئين السوريين، مما فاق قدرة هذا البلد الصغير جغرافيا على تحمل نسبة نزوح هي الأعلى في العالم قياسا بعدد السكان.


انعكاسات سلبية على الاقتصاد


صيحة فزع أطلقها لبنان مطالبا المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه معضلة ازدياد عدد اللاجئين السوريين إلى أراضيه، وهو ما أدى إلى تدهور اقتصاد البلاد، حسب ما أعلنت عنه حنين السيد منسقة برنامج البنك الدولي للتنمية البشرية في لبنان وسوريا والأردن، والتي عرضت دراسة البنك الدولي للانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية للحرب السورية على لبنان منذ العام 2012 وحتى نهاية السنة الجارية والتي أتت بناء على طلب الدولة اللبنانية، وهي حصيلة تنسيق بين البنك والإدارات الرسمية اللبنانية والمنظمات الدوليّة وهدفها وضع خارطة طريق للدول المانحة من أجل تمويل مشاريع في لبنان لتأمين الاستقرار وتعويض الخسائر التي منيت بها بنيته التحتية جرّاء الحرب السورية.

عملية الاستقرار في لبنان انعكاس للاستقرار في المشهد السوري

وكشفت السيّد أنه فات على الاقتصاد اللبناني 3 في المئة من النمو سنوياً منذ اندلاع الحرب السورية، فيما صرفت الخزينة اللبنانية في الفترة المذكورة آنفاً مليار دولار إضافي بسبب الحرب، وخسرت مليارا ونصف مليار دولار من العائدات، مشيرة إلى أن لبنان يحتاج إلى مليارين ونصف مليار دولار من الاستثمارات في البنية التحتية.

قطاع آخر تضرر من انعكاسات الحرب السورية على لبنان ويمثل أهم قطاع حيوي يرتكز عليه اقتصاده وهو السياحة، التي ترتبط ارتباطا وثيقا بمدى الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد، فقد امتدت إلى لبنان ضربات المتشددين التي استهدفت في أغلبها مناطق سكنية وأهدافا تابعة لحزب الله قبل أن تنتشر في مناطق أخرى، وهو ما جره، حسب إجماع قادة 14 آذار وسياسيين وخبراء، من خلال تدخل حزب الله عسكريا في سوريا لصالح نظام الأسد، إلى مستنقع الصراع والعنف، بعد أن ضربت لبنان سلسلة من التفجيرات الدموية التي تبنتها المجموعات المتشددة ردا على قتال حزب الله مع قوات الأسد، وقد أعلنت جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في الشام و العراق مسؤولياتها عن أغلب العمليات التي ضربت لبنان من أواخر العام الماضي، والتي استمرت حتى الأيام القليلة الماضية، حيث قتل 3 أشخاص وأصيب العشرات بجروح في تفجير انتحاري استهدف حاجزا لقوى الأمن الداخلي على الطريق الدولية بين بيروت ودمشق في شرق لبنان.

وعلى إثر ذلك حذرت الإمارات العربية المتحدة، مواطنيها من السفر إلى لبنان مجددا وطالبت رعاياها بضرورة المغادرة، وذلك نظرا إلى “الأحداث الأخيرة والأوضاع الأمنية المضطربة”.


تضرر السياحة

ديفد شينكر: سقوط نظام الأسد سيضعف حزب الله المهيمن على الأوضاع


تضرر قطاع السياحة اللبناني بشكل كبير خاصة بعد أن أعلنت القاعدة رسمياً تحويل لبنان من “أرض نُصرة إلى أرض جهاد” وذلك عبر بيان نسب إلى “داعش”، ليتحول بذلك الصراع إلى صراع مفتوح بين تنظيم القاعدة وحزب الله ويفتح الساحة اللبنانية على سيناريوهات تفجيرية كبيرة، وقد سبقت التحذير الإماراتي تحذيرات سابقة من دول الخليج العربي التي حجرت سفر مواطنيها إلى لبنان، الذي يشكّل الخليجيون، النسبة الأعلى من السياح فيه، ومؤخّرا أعلن وزير السياحة اللبناني، أن الإمارات “ألغت ضمنيا” هذه التحذيرات، بعد زيارة وفد لبناني يرأسه وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق للإمارات، الشهر الماضي.

وينقل مسؤولون لبنانيون بالأرقام التدهور في قطاع السياحة الذي يدفعه لبنان جراء ممارسات حزب الله وتعنته ورفضه الخروج من سوريا حماية لمعادلة سياسية تصب في صالحه، وإن كانت تجر لبنان كله في أتون دوامة من العنف والصراع، حيث كشف وزير السياحة اللبناني السابق فادي عبود أن لبنان خسر 27 بالمئة من أعداد السياح القادمين إليه خلال ذروة الموسم السياحي.

ومنذ العام 2012، حذرت دول خليجية عدة رعاياها من زيارة لبنان مع تصاعد الانقسام السياسي والتوترات الأمنية على خلفية النزاع في سوريا المجاورة وتزايد عمليات الخطف التي حصل بعضها بهدف الحصول على المال.

وهبطت أرقام السياحة بشكل حاد العام الماضي حينما بلغت 1.5 مليون سائح مقارنة مع مليوني سائح في 2010 قبل اندلاع الصراع في سوريا، حيث تشكل السياحة نحو خمس الناتج المحلي في لبنان في الأعوام القليلة الماضية، والتي تتركز بشكل مكثف على السياح الأثرياء من دول الخليج الذين يأتون في فصل الصيف.

ورغم التحذيرات الداخلية والدولية، من خطورة استمرار تدخل حزب الله عسكريا في سوريا، إلا أن المصالح التي يرتبط بها الحزب ومن ورائه سوريا وإيران، شكلت الدافع الأقوى لصم الحزب آذانه عن المطالب المتكررة بخروجه تحت ذريعة صد نفوذ المتشددين وحماية لبنان منهم، رغم أن المعطيات على أرض الواقع تثبت عكس ذلك.

ويربط الخبراء عملية الاستقرار في لبنان بأنها انعكاس حتمي للاستقرار في المنطقة، خاصة في المشهد السوري الذي انعكس سلبا على لبنان ديموغرافيا وسياسيا وأمنيا وإنسانيا، و يقول مراقبون إن الصراع بالوكالة المشتعل في سوريا، أصبح وجوديا بالنسبة إلى قادة الحزب الذين يرتبط وجودهم واستمراريتهم باستمرار النظام السوري، وهو ما يدركه حزب الله جيدا رغم المخاطر التي جرها على لبنان والفوضى التي كانت على وشك أن تتحول إلى صراع أهلي وطائفي، خاصةً وأن “داعش” اخترقت الحدود اللبنانية وتقوم بتنفيذ العديد من التفجيرات داخل المدن الشيعية على وجه الخصوص في مناطق نفوذ حزب الله، قائلة إنها رد على مشاركة الحزب في المعارك داخل سوريا إلى جانب قوات النظام.

الاقتصاد اللبناني منذ اندلاع الحرب السورية
◄ 3 في المئة من النمو سنويا يخسرها الاقتصاد اللبناني

◄ مليار ونصف مليار دولار خسارة من العائدات

في هذا الصدد يقول ديفد شينكر من معهد واشنطن إن تراجع نظام الأسد وانتشار التشدد الإسلامي سوف يفاقمان التوترات في لبنان، فسقوط نظام الأسد سيضعف “حزب الله” المهيمن على الأوضاع منذ فترات طويلة، الأمر الذي سيؤدي إلى إعادة تقويم السياسة اللبنانية.

ويحذر المراقبون من تصاعد التهديدات الأمنية التي تؤرق الساحة اللبنانية ذات البنية المذهبية الهشة، دون التغاضي عن تنامي قوة حزب الله الشيعي لتجعله دويلة داخل الدولة، واستمراره في تبني سياسة لم تجر لبنان والمنطقة إلا إلى مزيد من الفوضى والخراب، وهو ما عبر عنه محمد السعيد إدريس رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، قائلا “إن حزب الله اللبناني يمتلك تأثيرا أقوى من الجيش، ويفرض نفوذه على بعض القادة وعلى الحكومة، ويتدخل في اختيار رئيس الدولة، ويمارس نفوذا رهيبا بسبب انتشار قواته على جميع المدن والبلدات والحدود”.

ورغم أن الحزب يبرر مشاركته في القتال السوري بمحاولة منع ما أسماه بالمجموعات التكفيرية من الوصول إلى لبنان، كما أكد ذلك الأمين العام للحزب من أنه لن يسمح بسقوط النظام السوري، حليف “المقاومة” الأول، إلا أن ذلك لم ينف الطابع الطائفي للقتال في سوريا، حيث تحول الحزب إلى طرف في النزاع رفع حدة التوتر الشيعي السني في لبنان والمنطقة.

6