لبنان يطبق شروط المانحين ببدء تحقيق جنائي في المصرف المركزي

رياض سلامة: أزمة البلاد ليست ناتجة عن القرارات والسياسة النقدية.
الخميس 2020/09/10
بداية انكشاف المستور

بدأ لبنان تنفيذ البند الرئيسي من مطالب المانحين بمباشرة تحقيق جنائي في المصرف المركزي لكشف التلاعبات سعيا منه للحصول على دعم يخفف أكبر أزمة اقتصادية كان سببها الأساسي الفساد والاختلال، حسب خبراء، داخل هذه المنظومة المصرفية ما يحتم ضرورة تفكيكها قبل المرور للإصلاح.

بيروت - أعلنت وزارة المالية اللبنانية بدء تدقيق جنائي في مصرف لبنان المركزي، استجابة لمطالب المانحين والذي سيتم من خلاله كشف الملابسات داخل النظام المصرفي الذي قاد البلاد إلى أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

ووافقت الحكومة في يوليو على تعيين ألفاريز أند مارسال لإجراء التدقيق الجنائي، والذي يشمل عادة فحصا دقيقا للسجلات المالية للمؤسسات وقد يرصد أي إساءة استخدام للأموال.

وبدء التدقيق واحد من متطلبات خارطة طريق فرنسية تحدد خطوات لضمان حصول لبنان على مساعدة دولية يحتاجها بشدة، وتساعد في إنهاء أزمة تمثل أكبر تهديد لاستقرار البلاد منذ الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1975 و1990.

وقالت الوزارة إن الخطوة الأولى ستكون تقديم ألفاريز “قائمة أولية بالمعلومات المطلوبة من مصرف لبنان” لوزير المالية في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني. وقد خضع دور البنك لتمحيص دقيق منذ تفجرت الأزمة.

وتحت وطأة جبل من الديون، تعثر النظام المالي في لبنان في عام 2019 ومنعت البنوك عملاءها من الحصول على ودائعهم في حين راحت العملة المحلية تفقد قيمتها. وتخلف لبنان هذا العام عن سداد ديونه السيادية للمرة الأولى.

وتفاقمت الأزمة جراء الانفجار القوي الذي وقع الشهر الماضي في مرفأ بيروت ودمر قطاعا كبيرا من المدينة.

وتوقفت هذا العام محادثات بشأن اتفاق مع صندوق النقد الدولي، تعتبر ضرورية لنيل مساعدة دولية أوسع، بعد أن استمرت لأسابيع قليلة فقط وذلك بسبب خلاف بين مصرف لبنان وبنوك تجارية وسياسيين على حجم الخسائر في النظام.

وقالت حكومة تصريف الأعمال الحالية، التي استقالت بعد انفجار المرفأ، إن التدقيق الجنائي سيظهر الشفافية لطمأنة المانحين.

ودافع رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان منذ 27 عاما، عن دور البنك قائلا إنه حافظ على الاستقرار بينما كانت الحكومات المتعاقبة تزيد الديون. ورفض ما وصفها بشائعات عن أنه سيستقيل.

وقال سلامة، في مقابلة مع شبكة “سي.أن.بي.سي”، الثلاثاء، إن أزمة البلاد ليست ناتجة عن القرارات والسياسة النقدية.

وأضاف أنّ احتياطيات البلاد كانت تتزايد قبل أن تبدأ مشاكلها المالية وأن “السياسة النقدية كانت تملأ الفجوة للحفاظ على هذا البلد واقفا على قدميه”.

ويعاني لبنان منذ فترة طويلة من أزمة اقتصادية، حيث بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لعام 2019 حوالي 155 في المئة، ما يجعله ثالث أكبر بلد مثقل بالديون في العالم بعد اليابان واليونان.

وفقدت الليرة اللبنانية أكثر من 80 في المئة من قيمتها مقابل الدولار في السوق السوداء بين أكتوبر ويوليو، وبلغ معدل البطالة في البلد أكثر من 30 في المئة في نهاية مايو.

أول خطوة تقديم قائمة بالمعلومات لوزير المالية وإخضاع البنك لتمحيص دقيق منذ تفجر الأزمة لرصد أي سوء استخدام للأموال

وسبق أن كشفت الحسابات السنوية المدققة لمصرف لبنان المركزي أن حاكمه ضخم من قيمة أصوله عند مستوى اقترب من سبعة مليارات دولار قبل عامين، مما يسلط الضوء على مدى إسهام سياسة الهندسة المالية المتبعة في دعم اقتصاد البلاد.

ونالت البيانات المالية لعام 2018 تصديق إي.واي وديلويت الشهر الماضي لكن مع تحفظات، ولم تخرج إلى العلن.

وتظهر الحسابات أن المركزي ضبط دفاتره مع المساعدة في تمويل عجز حكومي دائم الاتساع، بما في ذلك تسجيل أصول بقيمة 10.27 تريليون ليرة (6.82 مليار دولار) تحت بند “رسم سك عملة تحت حساب الاستقرار المالي”.

وبحسب دفاتر الحسابات، فإن الحاكم رياض سلامة “يحدد بشكل سنوي المبلغ الذي يتعين تخصيصه من رصيد التزامات رسم سك العملة لنفقات الفائدة المُرحّلة وتكاليف مالية أخرى”.

وتقيد أغلب البنوك المركزية رسم سك العملة عادة بأرباح تُجنى من طبع النقود، باعتبارها بند دخل، لكن مصرف لبنان المركزي يسجل الأرباح المتوقعة من رسوم سك العملة تحت بند الأصول.

واتبع سلامة منذ توليه المسؤولية قبل 27 عاما ما وصفه بـ”الهندسة المالية” لصيانة ملاءة المالية العامة للبنان وربط الليرة بالدولار الأميركي، وذلك عن طريق امتصاص الدولارات من البنوك المحلية بأسعار فائدة مرتفعة.

وفي تقرير صدر في أكتوبر الماضي، وصف صندوق النقد الدولي مصرف لبنان المركزي بأنه “ركيزة الاستقرار المالي لكن الثمن هو تكثيف ارتباط البنوك بالدولة، مما يشكل مخاطر على استقرار القطاع المصرفي ويضغط على ميزانيته العمومية مع حماية ربحية البنوك”.

ويظهر تقرير 2018 عددا من الطرق المستخدمة لتضخيم حجم الأصول وتقليص التزامات مصرف لبنان المركزي، والتي تقول الحكومة وصندوق النقد، الذي يسعى لبنان للحصول على دعمه، إنها 50 مليار دولار في النطاق الأحمر.

وفضلا عن طريقة الحساب غير التقليدية لرسم سك العملة، سجل المركزي أيضا أرباحا مفترضة على إقراض الحكومة.

وتشير البيانات إلى أن تكلفة الفائدة المدفوعة للبنوك عند معدلات بين عشرة وعشرين في المئة كانت تؤجل باستمرار في غضون ذلك، لتتراكم ديون هائلة مستقبلا.

وتفيد المعلومات أيضا بشراء البنك المركزي أذون خزانة من البنوك بعلاوة تحمّل غير مطفأة، مما يستوجب معاملتها تحت بند الالتزامات في ميزانية البنك المركزي العمومية.

وفضلا عن طريقة الحساب غير التقليدية لرسم سك العملة، سجل المركزي أيضا أرباحا مفترضة على إقراض الحكومة.

11