لبنان ينتظر أصداء رسائل سعد الحريري

الثلاثاء 2015/02/17
تحييد لبنان عن صراعات المنطقة وحرائقها أساس الطرح الوطني الذي يقدمه سعد الحريري

بيروت ـ يتوقّع الخبراء أن يحرّك خطاب سعد الحريري، بمناسبة الذكرى العاشرة لاغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، الجمود الذي ساد العملية السياسية في لبنان. كما أن الرسائل المباشرة التي جاءت في الخطاب سواء الموجّهة لحزب الله أو للجهات الخارجية التي تهدّد أمن لبنان، تنذر بأن الوضع في لبنان سيعيش مخاضا عسيرا من أجل التقدّم نحو الاستقرار والنأي بنفسه عن الأزمات الخارجية وفرض سيادته على قرارات السلم والحرب.

تركت الزيارة الثانية لسعد الحريري إلى لبنان، بعد غياب دام أربع سنوات، أثرا بالغا على الساحة السياسية اللبنانية والإقليمية. وفي ما جاءت الزيارة الأولى في شهر أغسطس الماضي، بالتزامن مع أحداث عرسال واختراق الخلايا المتشدّدة للداخل اللبناني، فإن زيارته الثانية جاءت بمناسة إحياء الذكرى العاشرة لاغتيال والده رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.

حمل رئيس تيار المستقبل خلال زيارته الأولى المفاجئة إلى لبنان مجموعة مساعدات، من بينها هبة من المملكة العربية السعودية بقيمة مليار دولار للجيش اللبناني من أجل تعزيز إمكاناته “للمحافظة على أمن لبنان”.

أما الزيارة الثانية، والتي سبقها استعداد إعلاميّ، فقد حملت معها رسائل قويّة إلى عدّة جهات تؤكّد على ضرورة الحفاظ على أمن لبنان في ظلّ التطوّرات الحاصلة في الشرق الأوسط المقبل على تحديات استراتيجية خطيرة على ضوء الحرب الدولية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، والتواصل الأميركي الإيراني، ومخاطر ذلك على فرض الأسد كجزء من حلّ الأزمة في سوريا.

ويجمع الخبراء والمراقبون على أن الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري يعدّ من أقوى الخطابات السياسية المؤثّرة في لبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير 2005؛ في ضوء ما وضعه من نقاط بارزة فوق حروف المرحلة وتحدياتها المحلية والإقليمية، وما رسمه من خطوط عريضة تحت سقف المبادئ والثوابت العصيّة على كل المتغيّرات.

الخبراء والمراقبون يُجمعون على أن الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري يعدّ من أقوى الخطابات السياسية المؤثّرة في لبنان

ولم يكن خطاب الحريري خطاب تأبين مناسباتيّ، استحضر فيه الابن مناقب أبيه، بل كان خطاب مسؤول تحدّث بلسان السواد الأعظم من اللبنانيين، الذين يتابعون بقلق تداعيات الأحداث الإقليمية على بلادهم، وشبح الحرب الأهلية ماثل أمام أعنيهم، وأحداث 7 مايو 2008 تترصّدهم.

وبقطع النظر عما إذا كانت عودة الحريري إلى لبنان، بعد غياب أربع سنوات، محصورة بمشاركته في ذكرى اغتيال رفيق الحريري، أو أنها ستمتد لوقت غير معلوم، وربما على طول، فإنّ الخطاب الناري الّذي ألقاه الحريري، في البيال، حمل دلالات مهمة من شأنها أن ترسم ملامح المرحلة المقبلة ولا سيما في ما يتعلق بالملفات الشائكة العالقة، سياسية وحكومية ورئاسية، وفي مقدمتها الحوار مع حزب الله.


الحوار ضرورة


جدّد سعد الحريري، في خطابه، دعوة حزب الله إلى الحوار، باعتبار أن “الحوار بكل بساطة هو حاجة وضرورة في هذه المرحلة”. وأكّد على أن التحاور بين حزب الله، الذي يمثّل جانبا من شيعة لبنان، وتيّار المستقبل، الذي يمثّل السنة، “هو حاجة إسلامية لاستيعاب الاحتقان المذهبي الذي لم يعد من الحكمة التغاضي عنه وهو ضرورة وطنية لتصحيح مسار العملية السياسية وإنهاء الشغور في الرئاسة اللبنانية.

لكن، في الوقت نفسه، أكّد سعد الحريري، الذي يعدّ من أكثر الساسة نفوذا في لبنان، أن تمسّكه بالحوار لا يعني “خشية” من القوّة التي يفاخر حزب الله بها ولا من سلاحه، بلّ مردّ ذلك خشية وخوف وقلق على لبنان، الذي وجد نفسه مقحما في أتون حرب لا ناقة له فيها وتداعياتها ستطال كلّ اللبنانيين، بمن فيهم أنصار حزب الله وأهالي الجنوب.

بعض الناقدين، اتّهم سعد الحريري، بالازدواجية في الخطاب، فهو من ناحية شنّ هجوما قاسيا على حزب الله، ومن ناحية أخرى شدّد على ضرورة مواصلة الحوار؛ لكنّ مطّلعين على الشأن اللبناني ردّوا على هذه الانتقادات، مشيرين إلى أن الازدواجية التي يراها البعض في خطاب الحريري، فرضتها طبيعة حزب الله في حدّ ذاته.

هل جاء خطاب سعد الحريري بالجديد؟
◄ فريد الخازن عضو كتلة التغيير والإصلاح: كلام الحريري لم يحمل تحولا عن المسار السياسي العام الذي عبر عنه تيار المستقبل سابقا

◄ جمال الجراح عضو كتلة المستقبل: الحراك السياسي في لبنان سترتفع وتيرته بعد خطاب الحريري، خاصة في ما يتعلق بالرئاسة

فسعد الحريري حين هاجم حزب الله، هاجم الحزب الذي يقحم لبنان في مشاكل خارجية هو في غنى عنها؛ وحين قال “نحن لن نعترف لحزب الله بأي حق من حقوق تتقدم على حق الدولة في قرارات السلم والحرب”، قصد الحزب الذي يدفع اللبنانيين إلى القتال باسم إيران في العراق وسوريا. أما حين تحدّث عن الحوار، فإن من دعاه إلى الحوار هو حزب الله اللبناني الذي يشارك في الحكومة ويعيق حلّ أزمة الرئاسة، وتتسبّب مواقفه في خلافات سنيّة شيعية تزيد من الاحتقان في البلاد.

تحدّث سعد الحريري في خطابه الشامل على أزمة لبنان الداخلية وكرسي الرئاسة، الذي لا يزال شاغرا، والخلافات بين الفرقاء اللبنانيين، والأزمة الاقتصادية، لكن حديثه عن حزب الله أخذ حيّزا أكبر. وبرّر المراقبون ذلك بكون حزب الله متورّطا في صلب كل تلك القضايا الداخلية إلى جانب القضايا الخارجية؛ بل هو أحد مسبّبيها، بتورّطه عسكريّا في سوريا، بإيعاز من قيادته العليا في إيران، لحماية نظام الأسد.

ولم يأتي رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري، بالجديد حين قال إن أسباب الاحتقان في بلاده تكمن في رفض “حزب الله” تسليم المتهمين باغتيال رفيق الحريري ومشاركة الحزب في حرب سوريا، لكن المؤكّد أنه وضع حزب الله في الزاوية حين دعاه إلى:


تسليم المتهمين باغتيال رفيق الحريري


الانسحاب من سوريا


تسهيل انتخاب رئيس للجمهورية


الكف عن توزيع السلاح تحت مسمى سرايا المقاومة.

مواقف المسؤولين اللبنانيين تعكس أن خطاب سعد الحريري أعطاهم حافزا جديدا للعمل على حلّ أزمة الرئاسة بسرعة

لن يكون عسيرا على حزب الله “اللبناني” تنفيذ هذه الشروط، التي يطالب بها أغلب اللبنانيين والتي فيها استقرار بلاده وتضييق دائرة الأزمات بحصرها في الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تمرّ بها أي دولة ويمكن تجاوزها بالعمل المشترك. لكن، وعلى ضوء الوقائع الراهنة لا خلاف في أن الحزب الذي يدين بالولاء إلى إيران، لن ينفّذ هذه الشروط، وبالتالي لن يساهم في الخروج بلبنان من الأزمات التي تسبّب في إقحامه فيها. مع ذلك، يقول المراقبون والمطّلعون إن هذا التصعيد من قبل تيار المستقبل، والذي ربما يقابله تصعيد آخر من قبل حزب الله في ردّه المنتظر، لا يبدل القناعات بضرورة إكمال الحوار لتخفيف التوتر الذي يمكن في حال استمراره أن يشعل فتنة في البلاد.

ويضيف الخبراء أن حزب الله، لا يريد وقف الحوار، وهو يتمسّك به رغم كل الاختلاف في وجهات النظر، لأنه في الحقيقة ليس في موضع قوة كما يدّعي، وخسارته داخل لبنان في الوقت الحالي ستكون تدعاياتها كبيرة عليه وعلى إيران. وبالتالي فمن مصلحته أن يستمرّ الحوار.

ويؤيّد الفرقاء اللبنانيون استمرار الحوار رغم يقينهم بأنّه لن يحقق النتائج المرجوة منه، باعتبار أن حزب الله متمسّك بمواقف هي موضع خلاف بين اللبنانيين، من القتال في سوريا إلى رفض حصرية السلاح في يد القوى الشرعية إلى التمسك بقرار الحرب والسلم رغم أن ذلك هو حق من حقوق الدولة ولا يجوز لأي حزب أو جهة التعدي عليه.

وتعكس مواقف المسؤولين اللبنانيين أن خطاب سعد الحريري أعطاهم حافزا جديدا للعمل على حلّ أزمة الرئاسة بسرعة، لأنها ستكون الطريق الرئيسي لحلّ بقية الملفات، كما قال الرئيس اللبناني الأسبق ورئيس حزب “الكتائب اللبنانية” أمين الجميل.

وقد سجّل الجميل للحريري “تركيزه على أولوية إنهاء الشغور الرئاسي كمدخل لإعادة الحياة الطبيعية إلى الوضع السياسي، ومعالجة الأزمات”. كما نوه، في بيان له، بـ”موقفه الواضح من الحوار الدائر بين المستقبل وحزب الله، وتركيزه على مرجعية الدولة في قرارات السلم والحرب”.

وأشاد بـ”الخطاب الوطني الصادق الذي ألقاه الرئيس سعد الحريري في الذكرى العاشرة لاستشهاد رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري”. ورأى أنه “وضع الإصبع على الجرح لجهة تحديد المخاطر التي تتهدد لبنان ونظامه الديمقراطي وإعادة تأكيد الثوابت الوطنية بشكل صريح ومباشر”.

وتوقف الجميّل عند “رفض الحريري ربط لبنان بأي محور إقليمي”، داعيا إلى “ملاقاة هذا الطرح الوطني الصادق بما يسمح بتحييد لبنان عن صراعات المنطقة وحرائقها”. وكان الحريري أكّد في خطابه على أن “لبنان ليس جزءا من محور يمتد من إيران إلى فلسطين مرورا بسوريا ولبنان. ونحن نقول: لبنان ليس في هذا المحور، ولا في أي محور”.


خطاب المواجهة


علّق رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، على خطاب رئيس تيار المستقبل سعد الحريري بالقول “إن أهم شيء هو التأكيد على الحوار”. واعتبر القيادي الدرزي أن المهم في اللحظة الراهنة هو أن يستمر تيار المستقبل وحزب الله في الحوار".

ورأى مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” العميد المتقاعد وهبي قاطيشا أن خطاب سعد الحريري كان متوقعا بسقفه العالي، على مستوى رده بوضوح على المواقف الأخيرة لحزب الله وأيضا على مستوى تحديده لهامش الحوار بين تيار المستقبل وحزب الله وفصله بين الأسباب الأمنية التي توجب هذا الحوار وبين مسار قوى “14 آذار”.

خبراء: حزب الله لا يريد وقف الحوار وهو يتمسّك به رغم كل الاختلاف في وجهات النظر، لأنه في الحقيقة ليس في موضع قوة كما يدّعي

ووصف قاطيشا، في تصريحات صحفية، خطاب الحريري بـ”خطاب المواجهة” الذي أكد رفض اللبنانيين لـ”جنون تدخله في الحرب السورية”. ويؤيّد الكثير من اللبنانيين وهبي قاطيشا حين قال “واهم من كان يعتقد أن الحريري سيأتي بخطاب استسلامي انهزامي، ويتنازل عن مبادئ ثورة الأرز لحسابات خاصة أو شخصية تتعلق بعودته لترؤس الحكومة، إذ أكد الحريري في خطابه أنه لا مكان للمصالح الخاصة أمام مصلحة لبنان ومستقبل اللبنانيين”.

الزخم الإعلامي والنشاط على صفحات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى تصريحات المسؤولين اللبنانيين، يؤكّد أن زيارة سعد الحريري إلى لبنان في الذكرى العاشرة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري أعادت تحريك الحياة السياسية في البلاد؛ فالقوى الحليفة استعادت بحزم نشاطا كاد يخف في الآونة الأخيرة؛ وتيّار المستقبل أعاد توحيد صفوفه والاستعداد للجسلة السادسة من الحوار مع حزب الله بعد أن كانت هناك دعوات لتأجيلها. أيضا حزب الله، ورغم حالة الصمت التي يتظاهر بها، فإن المراقبين يؤكّدون على أن الرسائل التي حملها خطاب الحريري وصلت إليه، وسيردّ عليها قريبا.

أما اللبنانيون، الذين أعطاهم خطاب الحريري جرعة من الأمل بغد أفضل فإنهم يتطلّعون إلى الأفعال، ويذهب البعض من أنصار تيار المستقبل، إلى مطالبة سعد الحريري بالبقاء في لبنان، لأنه في ذلك ووفق عضو كتلة المستقبل النائب جمال الجراح فإن “وجود الرئيس الحريري في لبنان، سيحرك الأمور على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، لأن وجوده عامل ثقة للاقتصاد وهو مصدر اطمئنان للبنانيين، وبالتالي فالحراك السياسي سترتفع وتيرته وستحاول كل القوى الحريصة على لبنان تنشيط حركتها مع الحريري لمعالجة الملفات العالقة”.

أما المعارضون فيطالبون سعد الحريري بالبقاء في لبنان حتى يتابع على الميدان تغيرات الوضع، ويرى حدود تنفيذ بعض مما جاء في خطابه على أرض الواقع.

7