لبنان يودع 2013 بأزمة سياسية محورها حزب الله والصراع في سوريا

السبت 2013/12/28
لبنان يدخل مرحلة خطيرة تثير القلق في الداخل والخارج

بيروت- أفاق لبنان أمس على وقع انفجار جديد زلزل أركان الاستقرار الهش في بلد لم يهنأ بالهدوء السياسي والأمني، بعد أن أودى التفجير بحياة مستشار سعد الحريري، وزير المالية السابق محمد شطح، و5 آخرين.

يبدو أن لون الدماء وسحب الدخان القاتمة، قدر لبنان، هذا البلد العربي الصغير حجما وموارد والمهم موقعا استراتيجيا وسياسيا وطائفيا. قبيل أيام من 2014 يتطلّع اللبنانيون إلى استقبال سنة ميلادية جديدة بآمال كبيرة في الخروج من الأزمة السياسية الداخلية التي طالت مدّتها، وبقلق حول تأثير تداعيات الأحداث في الجارة سوريا على لبنان اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وأمنيا. لكن هذه الآمال والتطلّعات اهتزّت على وقع تفجير دام ضرب، أمس العاصمة بيروت، مخلّفا 6 ضحايا بينهم وزير المالية السابق محمد شطح.

محمد شطح، شغل، إلى تاريخ اغتياله، منصب مستشار لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري. وهو من قادة، تيار المستقبل، وشخصية نافذة ضمن قوى 14 آذار المناهضة لدمشق. وقد عرف عنه معارضته الشديدة لنظام بشّار الأسد. وشطح هو الشخصية التاسعة من قوى 14 آذار التي تُقتل منذ 2005، تاريخ مقتل رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري.

وقبل هذا التفجير، شهد لبنان على مدار العام 2013، حوالي 7 تفجيرات أخرى، أرجع أغلب المراقبين أسبابها إلى الصراع الدائر في سوريا وتداعياته الطائفية والسياسية على الوضع داخل لبنان. وقبل موجة التفجيرات الأخيرة، استهدفت بين عامي 2005 و2008 تفجيرات عدة شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية ومناطق سكنية، كان أكثرها دموية الانفجار الذي أودى بحياة رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري و22 شخصا آخرين في 14 فبراير 2005 في وسط بيروت.


احتقان سياسي


تعاني الدولة اللبنانية، منذ تأسيسها ضعفا في مؤسساتها، ويرجع ذلك بشكل كبير إلى التجاذبات الطائفية والحزبية ومحاولة كل جهة السيطرة على الساحة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. كما لا يمكن في السياق تجاهل الدور السوري في الأحداث التي شهدها لبنان، ولايزال، قبل الانسحاب السوري من الأراضي اللبنانية في 2005. هذه الأرضية، إلى جانب الشعار الأكبر، الذي تمثّل في الصراع العربي-الإسرائيلي في مفهومه الجماهيري، وفّرت أسباب نشأة حزب الله على يد ملالي إيران، وأبرزته كجهة فاعلة مؤثّرة فيما يجري داخل تلك المنطقة “الخاصة” و”المميزة” من الشرق الأوسط.

والتفجير، الذي اتّهمت قوى 14 آذار حزب الله بالضلوع فيه، يرمي إلى زج لبنان من جديد في أتون الصراعات والانقسامات السياسية، التي باتت سمة من سمات هذا البلد الذي لم ينعم بالاستقرار الكامل، منذ أن انتهت الحرب الأهلية سنة 1989 وتوقيع اتفاق الطائف الذي سمح بإيجاد أرضية توافقية لكل الطوائف السياسية اللبنانية. والتنافس السياسي بين الفرقاء تواصل بنسق تصاعدي وتداخلت فيه توازنات كل فريق سياسي وحلفائه، لتصبح الخريطة السياسية اللبنانية رهينة حسابات بعض القوى اللبنانية المرتبطة بولاءات لدول الجوار الإقليمية.

أبرز تفجيرات لبنان في 2013
◄ 9 يوليو: انفجار سيارة مفخخة في منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبية لبيروت في موقف للسيارات لأحد المقرات الأمنية لحزب الله أدى إلى إصابة 53 شخصا بجروح. وأعلنت مجموعة مقاتلة ضد النظام السوري تطلق على نفسها ‘قيادة اللواء 313 مهام خاصة’ مسؤوليتها عن التفجير.

◄ 16 يوليو: انفجار عبوة ناسفة على طريق مجدل عنجر المؤدي إلى معبر المصنع الحدودي، واستهدف الانفجار سيارة رباعية الدفع، وأسفر عن قتيل وثلاثة جرحى والحادث كان الرابع من نوعه في غضون شهرين في البقاع.

◄ 15 أغسطس 2013: انفجار في منطقة الرويس جنوب بيروت تسبب في مقتل 27 شخصا وإصابة 336 آخرين. وتبنت التفجير مجموعة تطلق على نفسها اسم “سرايا عائشة أم المؤمنين للمهام الخارجية”، معتبرة التفجير رسالة إلى حزب الله بسبب قتاله إلى جانب النظام السوري.

◄ 23 أغسطس: ضرب تفجيران مدينة طرابلس، استهدف أحدهما “مسجد التقوى”، والآخر “مسجد السلام”. وأسفر التفجيران عن سقوط نحو 50 قتيلا و500 جريح، وكانت هذه المرة الأولى التي تشهد المدينة هجوما من هذا النوع منذ انتهاء الحرب الأهلية.

◄ 15 أكتوبر: عثر على سيارة مفخخة في الضاحية الجنوبية، وقام الجيش اللبناني بتطويق المكان وتولى الخبراء تفكيك السيارة التي ذكر أنها كانت تحمل مائة كيلوغرام من المتفجرات، وأنها كانت معدة للتفجير بعبوة موصولة بهاتف نقال.

◄ 19 نوفمبر: تفجيران مزدوجان أمام مقر السفارة الإيرانية في بيروت. أسفرا عن مقتل 23 شخصًا وجرح 160 شخصًا آخرين، بينهم الملحق الثقافي الإيراني في لبنان إبراهيم الأنصاري والقيادي في حزب الله حسان اللقيس.

◄ 17 ديسمبر: تفجير بسيارة مفخخة استهدف مركزا لحزب الله في بلدة صبوبا شمال مدينة بعلبك في شرق لبنان، أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى تبنته جبهة النصرة المتشددة في سوريا في رد على قتال الحزب في صفوف نظام الأسد.

وبلغ الاحتقان أوجه على الساحة اللبنانية بعد جريمة اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري سنة 2005 والتي كشفت معطيات خطيرة تتهم أطرافا في النظام السوري في عملية الاغتيال التي قلبت الموازين وغيرت وجه لبنان، بعد اندلاع ثورة الأرز في 14 آذار من العام نفسه التي أسقطت حكومة الرئيس السابق عمر كرامي الموالية للنظام السوري، في مرحلة أولى الذي مهد لخروج القوات السورية من لبنان، التي كانت ضمن أية معادلة سياسية في البلاد.

باغتيال الحريري، بات وجود النظام السوري غير مرغوب فيه في لبنان، بعد أن تغلغل وفرض سيطرته عليه سنة 1991 بموجب معاهدة “الأخوة والتعاون والتنسيق” ليضفي شرعية على وجوده العسكري في لبنان. ورغم مرور أكثر من سبع سنوات على خروج القوات السورية من لبنان، إلا أن النظام السوري لا يزال حاضرا وبقوة من خلال حلفائه على الأرض اللبنانية، وعلى رأسهم حزب الله، الداعم له والمنفذ لأجنداته داخليا وإقليميا.


اتهام حزب الله


في ذروة الأزمة السياسية الداخلية بين حزب الله والمعارضة اللبنانية حول نزع سلاح المقاومة في الجنوب، اندلعت الثورة في سوريا. هذه الثورة، التي دخلت عامها الثالث، كان لها وقع كبير وتداعيات خطيرة على لبنان الذي لطالما ارتبط ارتباطا وثيقا وتأثر بكل ما يجري في البلد الجار. وأصبحت مشاركة حزب الله في القتال مع قوات الأسد ضد مقاتلي الجيش الحر، الذي تدعمه قوى 14 آذار علنية، بعد أن شاركت قواته إلى جانب نظام الأسد في معارك القصير.

ولقيت مشاركة الحزب في سوريا معارضة شديدة من القوى اللبنانية وعلى رأسها قوى 14 آذار التي أدانت اقحام لبنان في معادلة الصراع السوري. وكان الوزير الراحل محمد شطح من هؤلاء السياسيين المنتقدين لأداء حزب الله السياسي واستخدامه لنفوذه السياسي والعسكري، خدمة لإيران وسوريا. وفي آخر تغريدة له على موقع “تويتر” كتب الوزير: “حزب الله يهول ويضغط لكي يصل إلى مكان النظام السوري قد فرضه لمدة 15 عام: تخلي الدولة له عن دورها وقرارها السيادي في الأمان والسياسة الخارجية”.

واتهمت قوى 14 آذار سوريا وحليفها حزب الله باغتيال الوزير السابق. وقال رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة في بيان نعي: “القاتل هو نفسه الذي يوغل في الدم السوري واللبناني.. القاتل هو نفسه، من بيروت إلى طرابلس إلى صيدا إلى كل لبنان.. القاتل هو نفسه، هو وحلفاؤه اللبنانيون من درعا إلى حلب، إلى دمشق، إلى كل سوريا”.

وأضاف “القاتل نفسه، يستهدف أبطال لبنان منذ أكتوبر 2004 إلى اليوم، وقبل أسبوعين من انطلاق عمل المحكمة الدولية الخاصة بجريمة الرئيس الشهيد رفيق الحريري… قتلوا محمد شطح”.

ويشير البيان بذلك إلى النظام السوري الذي تتهمه قوى 14 آذار بتنفيذ سلسلة عمليات اغتيال غالبيتها بواسطة عمليات تفجير استهدفت شخصيات سياسية وإعلامية وأمنية مناهضة لسوريا منذ نهاية 2004، أبرزها رفيق الحريري، رئيس الحكومة السابق ووالد سعد الحريري. كما يقصد حزب الله، الحليف اللبناني للنظام السوري الذي يقاتل إلى جانب قواته.

ويطالب خصوم حزب الله هذا الحزب بالانسحاب من سوريا تجنيبا لتداعيات أمنية خطرة على لبنان. ويتهمونه بالاستقواء بسلاحه كونه الجهة الوحيدة التي تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة، لفرض رأيه على الحياة السياسية في لبنان.


حزب الله في مأزق


التفجير الأخير، الذي هزّ بيروت وهي في أوج احتفالها بأعياد الميلاد، وفي قمة أزمتها السياسية وقلقها من الوضع في المنطقة عموما، كما قال محلّلون، سيدفع لبنان إلى جولة جديدة من العنف. وهناك خوف من أن يجد هذا البلد، المكلوم من حرب أهلية عانى منها طيلة 14 عاما، نفسه منقادا إلى حرب جديدة رغما عنه، وهو على شفير منزلق خطير.

لكن، هذا التفجير أيضا، ستكون له تداعياته الأكبر على حزب الله بالتحديد، سواء ثبت صدق اتهامات قوى 14 آذار أم لا. فحزب الله يمر بمرحلة مصيرية في مسيرته، حيث تعرّضت مسيرته ومصداقيته وشعبيته، التي اكتسبها بالخصوص في الحرب مع إسرائيل، لتحدّيات ضخمة، سيكون لها وقع بالغ في مستقبل حزب الله. وبعد أن وصل الحزب إلى قمة شعبيته لبنانيا وعربيا بعد حرب يوليو 2006، بات يعاني اليوم، من تراجع مكانته، وذلك بسبب: - تبعيته لإيران، عسكريا وأيديولوجيا وماديا.

- تأييده للنظام السوري وإمداده بالدعم اللوجستي والعسكري. والسقوط المأمول لبشار الأسد يعتبر خسارة الحزب لعمق استراتيجي.

-استقواء الحزب بالسلاح داخل لبنان وتورط بعض أعضائه في فضائح مالية.

- إدراج أوروبا لاسم حزب الله ضمن “لائحة الإرهاب”.

وقد أدت مختلف هذه الأسباب إلى الضغط على حزب الله ومحاصرته شعبيا وسياسيا وماديا.

7