لبنـــان: حكومة "أمر اليوم"

السبت 2013/09/07

لم يعد أمام اللبنانيين إلا الشارع للمطالبة بتشكيل حكومة لبنانية تحقق شيئا من الأمن والأمان في ظل التوترات الإقليمية والمحلية التي تحاصر البلاد وتهدد حياتهم. من هنا جاءت مبادرة الهيئات الاقتصادية والنقابية للخروج عن الصمت وإعلان الإضراب والاعتصام أمام المراكز الإدارية في العاصمة والمحافظات لتشكل من جهة أولى ضغطا شعبيا في وجه القوى السياسية المتحكمة بمصير البلاد، ومن جهة ثانية، دعما شعبيا مضمرا ولكنه مؤثر لرئيس الجمهورية إن هو أعطاه حق قدره وعرف كيفية توظيفه.

لم يكن الإجماع على ترشيح العماد ميشال سليمان من قبل القوى السياسية المسيطرة في لبنان، ومن ثم انتخابه من قبل مجلس النواب اللبناني في 25 ايار/مايو 2008 سوى ترجمة لأزمة القوى السياسية المسيطرة في لبنان ولحظة تأرجح في التوازن الهش الذي يحكم العلاقات بين مراكز النفوذ الإقليمية والدولية.

وقد تم له ذلك بعد أشهر من الفراغ في موقع الرئاسة في لبنان، وبعد رفض وتردد وقبول وترشيح وثم رفض لهذا الترشيح من سائر تلك القوى السياسية؛ ثم أخيرا، تم الإجماع الذي تلاه انتخاب للعماد رئيسا بحضور إقليمي ومباركة دولية، بعد أن أنجزت التعديلات الدستورية التي تسمح بذلك.

وكنت أرسلت كتابا مفتوحا للعماد سليمان نشر في جريدتي الأخبار والسفير اللبنانيتين خلال الأسبوع الأول من كانون أول/ديسمبر 2007، تضمن لفت انتباه إلى أن الاجماع على ترشيحه لم يكن خيارا حرا وأنه، في لحظة ضعف القوى السياسية، يمكنه أن يفرض شروطه هو بدل أن يخضع لمطالبها. وإذ يمكنه الاتكال على دعم شعبي واسع وعلى مزاج يكتسح شعور كافة المواطنين المحبطين من سلوك القوى المسيطرة وفسادها ومن الضغوط المتراكمة يوما بعد يوم اجتماعيا وأمنيا، يمكنه فرض جدول أعمال حكومي يحقق إنجازات عاجلة تريح البلاد والمواطنين وتعزز ثقتهم به بعد أن حاز على تلك الثقة نتيجة ما عهدوه منه خلال تحمله مسؤولياته في قيادة الجيش من ابتعاد عن الارتهان السياسي أو الالتحاق بهذا الطرف أو ذاك.

وإذا كانت السنوات المنقضية من ولاية الرئيس سليمان لم تتح له إنجاز أي من البنود المطروحة، لأسباب عديدة محلية وإقليمية أبرزها طبيعة الحكومات التي فرضتها القوى السياسية عينها، متواطئة مع الظرف الإقليمي، فإننا قد نلتمس للرئيس العماد سليمان، وفي ظل صلاحيات محدودة للرئاسة، بعض الأعذار في ذلك.

واليوم، وبعد أكثر من خمسة اشهر على استقالة حكومة ميقاتي في 8 آذار، وبعد الإجماع على تكليف النائب تمام سلام بتشكيل حكومة جديدة، ثم عرقلة تشكيل هذه الحكومة من قبل نفس القوى السياسية التي لازالت تتحكم بمصير البلاد، وفي ظل الفراغ والتعطيل اللذين شرّعا البلاد أمام مختلف التهديدات وخصوصا الأمنية، قد يكون الوضع قريب الشبه بتلك المرحلة التي تم للعماد سليمان فيها الإجماع على ترشيحه، خصوصا أن هذه المرحلة تشهد أيضا أزمة ووهنا في توازنات المنطقة، وأزمة أشد في قدرة القوى المحلية على التفاهم والسيطرة، وتعاظما في النقمة الشعبية نتيجة الكم الهائل من الضغوط التي يتعرض لها الناس خصوصا لجهة الحالة الأمنية المنفلتة التي باتت تهدد حياتهم.

فهل يجرؤ الرئيس والرئيس المكلف ويقدمان على خرق بمستوى تشكيل حكومة تستند إلى دعم شعبي واسع وببرنامج يلبي بعضا من مطالب الناس تاركة الهموم «الاستراتيجية» والقضايا السياسية «الكبرى» لصراعات القوى السياسية التي لا تعبر سوى عن مصالح القوى الإقليمية والدولية التي ترتهن لها؟

هل يُقدم الرئيسان على خطوة يمكن أن تحسب لهما كإنجاز اللحظة الأخيرة وتكون حكومة «أمر اليوم» التي تفرض، قي ظل أزمة القوى السياسية وارتباكاتها، تحقيق ولو القليل الذي يريح الشارع ويحقق بعض المطالب الحياتية الملحة أو المعلقة منذ زمن؟

إن المتتبع لتصريحات قادة ومسؤولي القوى السياسية كافة يتلمس بوضوح أنها فعلا لحظة ضعف لدى تلك القوى يمكن أن يستفيد منها رئيس الجمهورية في تحقيق خرق ما في الأشهر الأخيرة من ولايته، فهل يقدم على تشكيل حكومة تمثل فعلا «المصلحة الوطنية» التي هي في الواقع وقبل كل شيء مصلحة المواطن العادي المهموم بأمنه ولقمة عيش ابنائه؟

لبنان لا يختصر بـ 8 و14 آذار. صحيح أن بديلا ديمقراطيا ناجزا لم يتوفر بعد على الساحة السياسية اللبنانية ولكن الحراك الاجتماعي لم يتوقف يوما، سواء على المستوى النقابي أم على المستوى الاجتماعي.

فهذه الجموع التي أعلنت الاضراب وتعتصم في الساحات هي الممثل الحقيقي لمصالح كافة الطبقات الاجتماعية في البلد. والمواطنون في المدن والمناطق ينوؤون تحت وطأة انعدام الأمن والأمان الذي بات حلما للكثيرين في ظل التفجيرات المتنقلة وأجواء الخطف والسلب والقتل والاشباكات اليومية وعودة المحاور وخطوط التماس إلى المدن وعجز المؤسسات الأمنية التي يتكبد المواطنون من ضرائب وتكاليف تمنع عن أفواه أبنائهم ما يتكبدون من أجل تجهيزها عدة وعددا، والخدمات الضرورية للمواطنين في أردأ مستوياتها والأسعار لاترحم! هذه القوى تنتظر خرقا ما. فهل يجرؤ الرئيسان؟ قد تكون الفرصة الأخيرة للرئيس سليمان لتحقيق خرق سياسي في الحالة اللبنانية المأزومة من خلال الاستفادة من هذا الدعم الشعبي الواسع لتشكيل حكومة المصلحة الوطنية من خارج القوى السياسية المأزومة التي تفرض تعطيل المؤسسات الدستورية والخدمية وتضع البلاد على حافة الفوضى التامة.

إن حكومة من هذا النوع قد تحصل على ثقة البرلمان وقد لا تحصل عليها. ولكنها، بحكم الظرف الاستثنائي، قادرة على تصريف الأعمال للمرحلة القادمة بما يشتمل على أمور أساسية وفي مقدمتها إزاحة وزراء تصريف الأعمال الذين يتصرفون بوزاراتهم خارج أي رقابة أو محاسبة، لتصبح مرحلة تصريف الأعمال فرصة لتحقيق المكاسب الشخصية والسياسية، وفرض الأمن وملاحقة المخلين، وتحقيق بعض من مطالب العمال والأجراء والموظفين والمتعاقدين والسائقين، ومنع تفلت الأسعار وتسيب الخدمات، وأهم من ذلك كله، تظهير واقع يتيح للناس أن يلمسوا أن البلاد يمكن أن تحكم من خارج تلك الطبقة السياسية الفاسدة والمرتهنة، وأن يكون الوضع أفضل.


شاعر وكاتب من لبنان

9