لبيد وبينيت مقاتلان سياسيان من طراز جديد يطويان عصر نتنياهو

محللون يرون أن نجاح مشروع بينيت ولبيد في الداخل الإسرائيلي يعتمد على قدرتهما على تهدئة الأجواء السياسية المحتقنة التي خلقها نتنياهو.
الأحد 2021/06/20
إسرائيل تتحول

لا شك أن عهد بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي بات سابقاً الآن، لم يكن مثل غيره من الفترات التي حكم فيها سياسيون إسرائيليون ممن سبقوه. كان عهداً طويلاً وصعباً على خصومه، شهد العديد من الخروقات والتي فخر بها نتنياهو كثيراً، سحق جميع منافسيه، وبسببه تحطمت تيارات سياسية تاريخية في المسرح الإسرائيلي وزالت عن المشهد. ووقّع اتفاقيات تطبيع مع دول عربية عديدة، ومكّن إسرائيل من المرور من السنوات العشر الماضية التي كانت صعبة على جميع الأنظمة في الشرق الأوسط.

الرجلان اللذان أعلنا تحديهما لنتنياهو، كانا يدركان كل هذا، ويعلمان أن رئيس الوزراء القوي يمكن أن يقهرهما، كما يمكن له أن يعود مجدداً في حال فشلهما في إقامة تحالف صلب في وجهه. غير أن نفتالي بينيت زعيم حزب ”يمينا“، ويائير لبيد زعيم حزب “يوجد مستقبل”، تمكنا من الظفر بالحكومة وحسما الأمر.

واستعراض شخصية كل منهما، يعطي ملامح عن المزاج الإسرائيلي المتبدّل هذه الأيام، الذي لم تعد تكفيه جميع كليشيهات نتنياهو وأمثاله من جيل بات ينتمي إلى الذهنية القديمة التي تجاوزها العصر.

الملاكم المحاور

لبيد الذي ولد في العام 1963 في تل أبيب لأب صحافي هو يوسف لبيد وصل إلى منصب وزير للعدل، سيقرر المشي على خطى والده في البداية في خط واحد، فينخرط في الإعلام، دون أن ينسى عالم والدته الذهني المثير، شولاميت لبيد الروائية المعروفة في إسرائيل وكاتبة القصص البوليسية. فتأسست حياة لبيد المهنية مع صحيفة ”معاريف“، ونظيرتها ”يديعوت أحرونوت“.

أصبح لبيد مع مرور الوقت معروفاً بشكل واسع في إسرائيل، وظل محافظاً على رياضته المفضلة، ”الملاكمة“ و“فنون القتال“، وبقي يسبح في المناخين اللذين تدرّب عليهما طويلاً في البيت، كتابة الروايات المشوقة، والأعمال الدرامية، ولم يتردّد في كتابة الأغاني وأدائها والتمثيل في الأفلام، قبل أن ينخرط في إعداد البرامج التلفزيونية الحوارية وتقديمها فحقق المزيد من الحضور وأعلى نسب المشاهدة بين الإسرائيليين. غير أنه قرّر أخيراً اتباع طريق والده في وجهه الآخر، والتوجه نحو السياسة، فاعتزل العمل التلفزيوني في العام 2012 وتفرّغ لتأسيس حزبه ”يش عتيد“ والتي تعني بالعربية ”هناك مستقبل“.

وبين الحوار السياسي والملاكمة السياسية، برز اسم لبيد كعلماني ليبرالي يرفع راية معاداة سياسات نتنياهو ومعارضتها.

غضب نتنياهو

Thumbnail

تحوّل لبيد إلى رأس حربة في ”مشروع طرد نتنياهو“ دفع كثيراً من السياسيين إلى التحلق من حوله، ومن بينهم بينيت، فتشكلت جبهة قوية لم يستطع نتنياهو رغم حنكته تجاوزها. وكان على لبيد أن يتأكد هذه المرة من أن بينيت لن يغدر به كما فعل العام الماضي بيني غانتس الذي كان أيضاً ضمن حلفاء لبيد، في ائتلاف ”أزرق أبيض“ إلا أنه تخلى عنه وانضم إلى نتنياهو.

خبر بينيت المؤسسة العسكرية من الميدان لا من مكاتب القياديين والجنرالات، وهو الذي ولد في العام 1972 لأبوين أميركيين، وأدى خدمته في وحدة “سايريت ماتكال”، قبل أن يتجه نحو عالم التكنولوجيا، ويؤسس شركة ”كيوتا“ لمكافحة الاحتيال، والتي اشترتها شركة الأمن ”آر إس إيه“ في عام 2005 مقابل 145 مليون دولار.

قام بينيت بعد ذلك بصفقة تجارية وحيدة، بوصفه مديراً تنفيذياً لشركة ”سوليوتو“، حين قاد عملية شراء بقيمة 100 مليون دولار. ثم تفرغ مثل لبيد للسياسة. لكن وعلى النقيض من الأخير، بدأ بينيت خطواته مع نتنياهو وليس ضدّه، فكانت انطلاقته من توليه منصب ”رئيس مكتب“ نتنياهو.

بقي لصيقاً بأستاذه السياسي العنيد، خمس سنوات، قبل أن يحصد ثمار ذلك ويتولى منصب رئيس مجلس الاستيطان في الضفة الغربية وغزة. ومن هناك بدأ احتكاكه المباشر مع مشكلة المستوطنين والسلام والمفاوضات والمسار المعقد. فقفز إلى موقع قيادة الحزب اليميني ”البيت اليهودي“، ومواقفه المتشددة حيال الفلسطينيين دفعت نتنياهو لتكليفه بحقيبة الدفاع، ثم الاقتصاد والتعليم. وبقي يتألق في الأوساط السياسية الإسرائيلية حتى قرّر إعادة هيكلة حزبه فأطلق عليه اسم ”يمينا“ بدلاً من الاسم القديم ”البيت اليهودي“ قبل ثلاثة أعوام من الآن.

نتنياهو الذي يعتبر بينيت تلميذه، غضب من موقف الأخير فصرّح بانفعال قائلاً إن هذا التحالف "عملية احتيال". زاعماً أن بينيت ينتهك جميع الوعود التي قطعها على نفسه قبل عدة أسابيع، ومتسائلاً بحرقة "ما الذي تغيّر الآن؟"

التوجه العام لحزب ”يمينا“ هو توجه الأحزاب اليمينية الإسرائيلية التقليدية، التي حوّلت الهوية اليهودية مع الوقت وعبر مسار ديفيد بن غوريون الفكري التاريخي إلى قومية، لذلك هو مضطر لإشهار بعض الأفكار التي تجد رواجاً بين أوساط المتشددين، مثل التمسك بالمستوطنات وضم المزيد من الأراضي الفلسطينية.

موقف بينيت الذي أعلن التحالف مع لبيد، لتشكيل الحكومة في إسرائيل، يرأسانها بالتناوب، أغضب نتنياهو الذي يعتبر أن بينيت تلميذه وامتداد له، ما دفعه للقول عبر حسابه على موقع ”تويتر“ إن هذا التحالف ”عملية احتيال لا يمكن تصوّرها“. وأخذ يكيل الاتهامات لبينيت، زاعماً أن الأخير ينتهك جميع الوعود التي قطعها على نفسه قبل عدة أسابيع، خلال الحرب على حماس. وتساءل نتنياهو بحرقة ”ما الذي تغيّر الآن؟“.

ما تغيّر هو حسابات دقيقة أجراها الثنائي، والعقل المدبّر كان لبيد الذي أعلن في اتصال هاتفي أجراه مع الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين عندما كان يحضر مباراة كرة قدم في تل أبيب، أنه نجح في تشكيل تحالف قوي، وقبل أن يتولى بينيت منصب رئيس الوزراء أولًا بموجب اتفاق للتناوب بعد أن أكّد أن الحكومة الجديدة ستعمل لخدمة كل مواطني إسرائيل بما في ذلك أولئك الذين ليسوا أعضاء فيها، وستحترم معارضيها على حد قول لبيد الذي يعرف فن المساومة جيداً. فقد كان قد اختير وزيرا للمالية في عهد نتنياهو ولكن لم يطل به المقام، لأنه لم يكن ينظر إلى رشوة سياسية مثل هذه من خصمه نتنياهو.

رؤية مختلفة

التركيبة الجديدة التي ستعكس رؤية جديدة بالتأكيد، بدأت الضغوطات تظهر في وجهها، إلا أن لبيد ندّد بمظاهرات المتشددين اليهود في القدس مؤخراً والتي هتفت “الموت للعرب“، قائلا  إن هذا ”عار على شعب إسرائيل“.
التركيبة الجديدة التي ستعكس رؤية جديدة بالتأكيد، بدأت الضغوطات تظهر في وجهها، إلا أن لبيد ندّد بمظاهرات المتشددين اليهود في القدس مؤخراً والتي هتفت “الموت للعرب“، قائلا  إن هذا ”عار على شعب إسرائيل“.

وفي فنادق تل أبيب، كان لبيد يعقد اجتماعاته المكثفة، وسط ضغط شديد من معارضين ومؤيدين تجمهروا في الخارج. أجرى مباحثات معقدة، وقدّم تنازلات عديدة، ووقع اتفاقات ثنائية مع سبعة أحزاب من أجل بناء ائتلافه، مثلما فعل مع القائمة العربية الموحدة بقيادة الإسلامي منصور عباس والنواب الثلاثة معه، وأعلن عباس في تصريح تلفزيوني قائلاً ”وقّعت اتفاقا مع يائير لبيد بعد أن توصلنا إلى عدد من الاتفاقات الهامة حول مواضيع مختلفة تصب في مصلحة المجتمع العربي“. وكان يشير إلى مخصصات في الميزانية ووعود قدمها لبيد حول مكافحة الجريمة في البيئة العربية في إسرائيل.

حزمة لبيد تشكلت أيضا من حزب ”أمل جديد“ اليميني بزعامة جدعون ساعر و“إسرائيل بيتنا“ بزعامة أفيغدور ليبرمان. وكذلك حزب «أزرق أبيض» الوسطي بزعامة غانتس وحزب ”ميريتس“ اليساري وحزب ”العمل“.

ولم تكد تمض أيام على تلك التركيبة الصعبة والجديدة، التي ستعكس رؤية جديدة بالتأكيد، حتى بدأ الضغط على لبيد وشريكه بينيت، فقد اندفعت في باب العامود بالقدس الشرقية مظاهرات للمتشددين الإسرائيليين تهتف بشعار “الموت للعرب“، و“لتحترق قريتكم“، ما دفع لبيد الذي تولى حقيبة الخارجية إلى التنديد بشدة بذلك، مغرداً بالقول ”إن من يرددون شعارات عنصرية هم عار على شعب إسرائيل“، مضيفا”حقيقة أن هناك متطرفين يعدّ العلم الإسرائيلي بالنسبة لهم رمزا للكراهية والعنصرية أمر بغيض لا يمكن التسامح معه“. أما بينيت فقد التقى رئيس أركان الجيش ومفوض الشرطة، وأكد بدوره على الحاجة لتجنب الاحتكاك وحماية سلامة الأفراد، اليهود والعرب على حد سواء.

نبرة بينيت وقبلها نبرة لبيد تلك، لم تكن هي ذاتها في انتخابات 2013  حين أعلن الأخير برنامجه السياسي من كلية مستوطنة ”آريئيل“، مكرّساً واقع الاستيطان، رغم الانتقادات الكثيرة التي وجهت لتحويل هذه المستوطنة إلى جامعة، وقال لبيد حينها إنه يؤيد ”حلاً قائما على أساس دولتين، ولكن بإبقاء كل الكتل الاستيطانية الكبرى تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي“، غير أنه أضاف أنه ”لا يريد أيّ حديث عن القدس“. وبعد يوم واحد، كان لبيد يتفاهم مع بينيت، على إبعاد اليهود ”الحريديين“ عن أي حكومة يمكن أن يكونا ضمنها. ومع ذلك فقد انتهج خلال وجوده في حكومة نتنياهو نهجاً مغايراً، وكتبت الصحافة إنه ”أيد أو صمت“ عن كافة المشاريع الاستيطانية، وساهم في زيادة ميزانيات الاستيطان.

القوة في البعيد والقريب

على اعتبار أن جميع رؤساء الحكومة الإسرائيليين كانوا يتحدرون من طبقة العلمانيين، فإن بينيت يوصف بأنه ”أول رئيس وزراء إسرائيلي متدين“، وشخصيته مركّبة وغير مباشرة، فهو إلى جانب تشدّده الديني، يظهر الانفتاح، وعلى نقيض الحاخامات والملتزمين بالتلمود، فو يصافح النساء، ويتحدث في القضايا الإشكالية التي يرفضها المتدينون عادة مثل مسألة المثليين.

كتبت عنه صحيفة الواشنطن بوست أنه حين كان لا يزال يحتفل بفوزه الجديد وردت أنباء بأن شركة ”بايونير“ التي كان بينيت مستثمراً فيها، ستندمج مع شركة ”سباك“ وسيتم إدراجها في مؤشر ”ناسداك“ بقيمة يبلغ 3.2 مليار دولار. ولهذا تقدر مجلة ”فوربس إسرائيل“ أن حصة بينيت ستبلغ 5 ملايين دولار، بينما يقول البعض إنها قد تكون أعلى بكثير. وتضيف الصحيفة إن بينيت من المؤكد هو أغنى رئيس وزراء في تاريخ البلاد.

بينيت سيستغل مهاراته وقدراته كلها في أوساط الحزب الديمقراطي الأميركي الحاكم والتي تعتبر مناهضة لنتنياهو. بالمقابل سيعمل على الاحتفاظ بالعلاقات المميزة مع الحزب الجمهوري، واضعاً نصب عينيه ضرورة الإبقاء على علاقة جيدة مع واشنطن دون الانغماس في معاركها

صحيح أنه وبحكم ولادته في بيت أميركي فإن لكنة بينيت الإنجليزية أميركية خالصة، غير أنه تخلى عن جنسيته الأميركية عام 2013، ويعتقد كثيرون أنه سيستغل مهاراته وقدراته كلها في أوساط الحزب الديمقراطي الأميركي الحاكم والتي تعتبر مناهضة لنتنياهو. بالمقابل سيعمل على الاحتفاظ بالعلاقات المميزة مع الحزب الجمهوري، ويقال إن هدفه الرئيسي الإبقاء على علاقة جيدة مع واشنطن دون الانغماس في معاركها مع الصين وروسيا.

ولننظر كيف يصف المحللون مشروع بينيت ولبيد في الداخل الإسرائيلي، إذ يقولون إن نجاحه سيعتمد على قدرتهما على تهدئة الأجواء السياسية المحتقنة التي خلقها نتنياهو، وتحقيق الازدهار الاقتصادي في مرحلة ما بعد كورونا، والدفع بالإصلاحات في النظام القانوني والرعاية الاجتماعية وغيرهما.

وتجاه القضايا التي تهم اليهود المتشددين، فإن بينيت لا يخفي إيمانه بحق إسرائيل في السيادة على القدس كلها، ومعها الضفة الغربية. ولكن سيكون من الصعب عليه تطبيق تلك القناعات في ظل حكومة مشكلة تتباين فيها الآراء ووجهات النظر حول مثل هذه القضايا.

ذهب نتنياهو، لكن ظلاله باقية، والثغرات التي قام بفتحها في الجدار الناري من حول إسرائيل سيكون لها أثر كبير في توجيه بوصلة من خلفوه على قيادة الدولة التي تعايشت طويلاً مع التحديات الداخلية والخارجية، حتى باتت جزءاً من استراتيجية الطبقة السياسية التي حكمتها، لكن ليس لبيد وبينيت.

8