لجان الترجمة السرية ترتكب الجرائم في الخفاء

الترجمة الأدبية تعدّ فنا وإبداعا أكثر من كونها نقل نص من لغة إلى أخرى، فمن يترجم عملا أدبيا عليه أن يحيط بروح النص المترجم ليتمكن من نقله أو السفر به من لغته إلى لغة أخرى دون أن تنخفض قيمته.
السبت 2016/03/05
روايات كثيرة مجهولة المترجم على غرار رواية "حب محرم"

قرأت منذ مدة رواية مذهلة هي “حُب مُحرم” للكاتب الياباني الشهير ميشيما، رواية من 770 صفحة من القطع الكبير، وأصبت بالذهول حقا من التفاوت الكبير في أسلوب الترجمة ووضوحها ومستوى الإبداع فيها بين فصل وفصل.

فأحيانا يكون أسلوب المُترجم سلسا واضحا إبداعيا، يحمل بصمة المتمرس في الترجمة، وتارة يحط أسلوب الترجمة من قيمة العمل الإبداعي إلى الحضيض، وتعمّ محتوياته الركاكة وعدم الفهم والأخطاء اللغوية والمطبعية، كما لو أننا نقرأ كتابا آخر لم يؤلفه المبدع ميشيما. ورغبت في أن أعرف من هو المترجم، فلم أجد على الغلاف اسما محددا، بل قرأت عبارة “لجان الترجمة”.

ليست رواية “حب محرم” هي الرواية الوحيدة مجهولة المترجم، بل ثمة روايات كثيرة غيرها، ودور نشر عديدة تعتمد هذا الأسلوب التجاري الذي يحط من القيمة الإبداعية للعمل ويستخف بذائقة القارئ، تلجأ إلى ما يسمى بلجان الترجمة، ونعطي مثالا آخر وهو كتاب “الكارما” الصادر عن دار علاء الدين تحت شعار لجنة الترجمة.

وبالمناسبة هناك ترجمات في قمة الرداءة في عالمنا العربي وهي ظاهرة خطيرة جدا، يجب الانتباه إليها، ونعطي أمثلة لا شك أن القراء لاحظوها مثل الترجمة السيئة لروايات “ساعات” من تأليف فيرجينيا وولف، وترجمة رواية “المريض الإنكليزي” وهي ترجمة سيئة أيضا، وكذلك ترجمة رواية “إله الأشياء الصغيرة” لأررندوتي روي الهندية، وكل من الروايات التي ذكرناها تعتبر عملا إبداعيا رائعا، لكنه مُسخ وتشوّه بالترجمة الرديئة أو بلجان الترجمة السرية.

ولسنا هنا بصدد فضح دور النشر والمترجمين لكن من حق القارئ العربي أن تقدم له ترجمات قيمة ويكون معروفا من قام بترجمتها، فالترجمة في حدّ ذاتها إبداع أيضا، وتتطلب تمكنا قويا من اللغتين؛ اللغة المترجم منها واللغة المترجمة إليها. ومن منا لم يسحره أسلوب الأستاذ المبدع سامي الدروبي حين ترجم كل أعمال العبقري دوستويفسكي؟ ونذكر مثلا أن قراءة رواية “حدائق النور” لأمين معلوف بالعربية من ترجمة عفيف دمشقية، يمكنك أن تحب أسلوبها أكثر من أسلوب الكاتب الأصلي، وطبعا لكل قارئ ذائقة خاصة به.

ومن المتابعين للروايات المترجمة عن الأسبانية كروايات غابرييل غارسيا ماركيز وإيزابيل اللندي وجورجي أمادو وبارغاس يوسا يستوقفهم الأسلوب الإبداعي الساحر للأستاذ صالح علماني، الذي ترك الطب لصالح الترجمة. فروعة الترجمة أنها تنقل روح النص، وهي قطعا ليست ترجمة حرفية وإلا ناب الكمبيوتر عن دور المترجم.

من حق القارئ أن يعرف اسم المترجم ولمحة عن حياته، والجهات القانونية المختصة محاسبة دور النشر التجارية، التي توزع عملا ضخما على مجموعة من الطلاب، ربما ليقوم كل منهم بترجمة فصل، ثم يتمّ جمع الترجمات في كتاب، فهذا المنطق تجاري أو هو منطق اعتبار الكتاب مجرّد سلعة رائجة، المهم أن تبيع كيفما اتفق، ويجب على وزارة الثقافة ووزارة الإعلام سن قوانين للتدقيق في جودة الترجمة، وعدم طرح كتب سيئة الترجم، أو ترويج كتب تقوم لجان سرية بترجمتها.

يمكن أن نذكر المئات من الكتب المترجمة ترجمة رديئة، لكننا لسنا بصدد تعدادها كلها، ويكفي أن نعطي مثالا عن كتاب لهنري ميللر ترجمه أحدهم بعنوان “صبوات”، وكانت الترجمة قمة في الرداءة، وصدر الكتاب نفسه بترجمة المبدع أسامة منزلجي باسم “بليكسوس”، وتشعر فورا كما لو أنك تقرأ كتابين مُختلفين، إذ لا يمت صبوات إلى بليكسوس مع أن الكاتب واحد والمؤلف واحد هو هنري ميللر.

يمكن القبول بوجود لجان ترجمة لكتب علمية، في مجال الطب مثلا وبقية العلوم التي لا تحتاج لنقل روح النص ونقل إبداع الكاتب وروحه، أما الترجمات الأدبية الرديئة فهي جريمة بحق الثقافة العربية والقارئ العربي، المعروف بأنه ضعيف في اللغات الأجنبية بشكل عام ويعتمد على الترجمة، إن عالمنا العربي بحاجة ماسة إلى ترجمات دقيقة وكثيرة وعالية المستوى من مبدعين حقيقيين، ولأن الترجمة هي الوسيلة الوحيدة للتعرف على ثقافة الآخر وإمكانية التواصل معه كي نبني تواصلا حقيقيا بين الحضارات والشعوب.

ترى من سيحاسب لجان الترجمة السرية والترجمات الرديئة؟

17