لجنة القدس وقرار ترامب

السبت 2017/12/16

كانت، ولا تزال، قضية القدس، وكل فلسطين، في معناها الديني، مؤثرة على الوعي الجماعي في دول المغرب العربي أو ما بات يعرف بالدول المغاربية، مثل كل الدول الإسلامية الأخرى، مع اختلاف جوهري، هو أن الإسلام في هذه المنطقة يتخطى الفهم العقائدي إلى الهوية والانتماء بالمعنى الوجودي، وقد ظهر ذلك جليا في ثورات الدول المغاربية ضد فرنسا(الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا) وضد إيطاليا (ليبيا).

قبل ذلك كان الإسلام جامعا لسكان المنطقة، رغم التفرقة التي انتهجتها فرنسا لأجل السيادة من خلال الصراع على أساس عرقي بين العرب والأمازيغ، على النحو الذي تحدثت عنه الكثير من المصادر التاريخية، لدرجة أن المغاربيين (أمازيغ وعرب) ذهبوا إلى فلسطين سيْرا على الأقدام للجهاد بعد احتلالها في عام 1948، ولا تزال إلى اليوم آثارهم مجسدة عبْر باب المغاربة في القدس القديمة.

من ناحية أخرى، أسهمت القيادات السياسية المغاربية بعد دحر المستعمر، سواء تلك التي كانت ترى الحل في حرب عربية طويلة المدى مع إسرائيل مثل هواري بومدين ومعمر القذافي، أو التي كانت ترجّح كفة حل إعداد قوة ذاتية متطورة وتطبيق سياسة “خذ وطالب”، وهو ما كان يدعو إليها الحبيب بورقيبة، ولم يتوقف الدعم للفلسطينيين عند هذا الحد، بل شارك المغاربيون في كل الحروب العربية ضد إسرائيل منذ استقلال دولهم وإلى الآن، متطوعين أو في جيوش نظامية بعد الاستقلال كما هو الأمر في حرب الاستنزاف بعد 1967، وحرب أكتوبر 1973، وفي كل ذلك لم تجد الرواية الاستعمارية ولا فعل بعض الأتباع ضمن محاولات إنشاء “الظهير البربري” للتفرقة بين العرب والأمازيغ مكانا، ويمكن لمعرفة المزيد من المعلومات حول هذا الموضوع العودة إلى دراسة بعنوان “الظهير البربري.. النص الكامل” للباحث المغربي مبارك بلقاسم.

ليس هناك داع اليوم للتأكيد على اهتمام الدول المغاربية، خاصة المملكة المغربية بالقضية الفلسطينية، وبالقدس تحديدا، ولم يأت ترأس المغرب مُمثَّلا في الملك الراحل الحسن الثاني، ومن بعده العاهل المغربي الملك محمد السادس لـ“لجنة القدس” من منطلق إشراك دول الشمال الأفريقي في حركة ومسار العالم الإسلامي فحسب، ولكن لدور المغرب الحضاري والتاريخي في نشر الإسلام في أفريقيا في عهود ماضية، ودوره الراهن لجهة العودة من خلال طرح تصور يقوم على مشروع استراتيجي قاعدته الأساسية تقوية ونشر الإسلام ضمن رؤية بعيدة عن الإرهاب والعنف أوّلا، وثانيا كون المغرب مثل الملجأ والحماية للأندلسيين بعد سقوط دولتهم، وتجربة الموريسكيين وجودا ومشاركة وإبداعا علميا وثقافيا دليل عن ذلك.

إحالة الأمر إلى لجنة القدس هي حماية للقضية من ركوب السياسيين سواء في السلطة أو المعارضة لموجة التضامن مع الشعب الفلسطيني في دفاعه عن أرضه وعاصمته، ومنع استغلال شعبية هذه القضية

على خلفيّة الواقع الحالي، سواء من جهة الفعل الأميركي عبر قرار الرئيس دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده إلى القدس، أو من ناحية ردود الأفعال ضمن الدوائر الأربع، الفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية الأخرى، وما تبعها من صخب بالرفض من دول عديدة ومنظمات وجماهير، ومن خطابات هادئة من دول عربية وإسلامية، على قلتها، يصبح من الضروري إعادة تفعيل دور لجنة القدس، وقد كان منتظرا حدوث هذا قبل الاجتماع الذي عقد في تركيا الأيام الماضية، ذلك أن لجنة القدس تأسست بتوصية من المؤتمر السادس لوزراء خارجية البلدان الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، المنعقد في جدة عام 1975. وقرر المؤتمر العاشر المنعقد بفاس إسناد رئاستها إلى الملك الحسن الثاني.

على الصعيد العملي لا يمكن اليوم مواجهة الموقف الأميركي من القدس دون الرجوع إليها، لأن الهدف الأساس لإنشائها هو حماية القدس من المخططات والمؤامرات الصهيونية وخطط تهويدها، فما بالك وأن القدس اليوم تواجه مخططا أميركيا سياسيا ودبلوماسيا يعلن تهويدها واعتبارها عاصمة للدولة العبرية؟

لجنة القدس عليها أيضا تحقيق جملة من الأهداف، كما هو مقرر عند إنشائها، ومنها دراسة الوضع في القدس، ومتابعة تنفيذ القرارات المصادق عليها والتي ستصادق عليها مستقبلا مؤتمرات وزراء الخارجية للبلدان الإسلامية، ومتابعة القرارات المصادق عليها حول القدس من مختلف الهيئات والمحافل الدولية، والاتصال بالمنظمات الدولية الأخرى التي قد تساعد على حماية القدس، وتقديم مقترحات للبلدان الأعضاء ولكل المنظمات المعنية بالأمر تتعلق بالخطوات المناسبة التي يجب اتّخاذها لضمان تنفيذ القرارات لمجابهة التطورات الجديدة.

منظمة المؤتمر الإسلامي اليوم أمام امتحان صعب بعد قرار ترامب، لذا عليها وطبقا لتنظيمها الداخلي أن تدعم لجنة القدس، وتترفّع عن الخلافات التي أدت إلى تعطيل دور اللجنة خلال السنوات الماضية، وينتظر من رئيس لجنة القدس أو الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي الدعوة إلى اجتماع يتم فيه اتّخاذ الخطوات المطلوبة للمواجهة، إنقاذا للقدس، وتخليصها من مزايدات بعض الدول، سواء تلك التي تريد أن تشعل المنطقة كلها في حرب غير عابئة بالهزيمة، أو الأخرى التي تظهر خلاف ما تبطن، حيث تؤيد الموقف الشعبي من القدس علنا، وفي السر تجري تحالفات مع الإدارة الأميركية، بل تمد جسور علاقات مستقبلية مع إسرائيل.

إحالة الأمر إلى لجنة القدس هي حماية للقضية من ركوب السياسيين سواء في السلطة أو المعارضة لموجة التضامن مع الشعب الفلسطيني في دفاعه عن أرضه وعاصمته، ومنع استغلال شعبية هذه القضية، وتفادي بالتالي الاختلاف القائم حول التعاطي مع الأوضاع الراهنة، وهو أيضا تأييد للخطوات العملية التي يحققها الفلسطينيون وبالذات المقدسيين، لهذا من الضروري عقد اجتماع عاجل للجنة القدس يتم من خلاله الاتفاق على كيفية إنقـاذ المدينة المقدسة أو على الأقل الحفاظ على وضعها الراهن، وهذا لن يحدث إلا إذا تم تقديم الديني على السياسي عبر تعميق وتوضيح ودعم للجبهة الداخلية، وهو ما تقوم به إسرائيل.

كاتب وصحافي جزائري

9