لحظات ثقافية كاشفة

الخميس 2015/12/31
الثقافة العربية لا تبدو عبر المنجز الإبداعي في أحسن حالاتها

لا تبدو الثقافة العربية بنسختها الراهنة وعبر المنجز الإبداعي في أحسن حالاتها أو أنها استطاعت أن تلتقط اللحظة، وكما هو معلوم فإن الناس وأقصد عمومهم الذين خرجوا ضد الدكتاتوريات في كل الأنظمة والدول الشمولية التي احتاطت وسيجت أنظمة حكمها بالعسكر، والتي كبحت أو زوّرت رغبة العموم بحياة أكثر كرامة وعدالة واحترام.

لم تثر الشعوب العربية كما هو متوقع من أجل لقمة العيش فحسب، بل كان مطلبها هو زحزحة مفهوم محدد هو احتكار الأنظمة للسلطة، وللمعايير الأخلاقية التي يجب اتباعها. وبالتالي خنق كل الاحتمالات الممكنة على فكرة التنوع، والتغيير، واحترام الكائن في التعامل والتعاطي الحقوقي معه.

لم تلتقط الثقافة الشارع، ولم تتجاوب كما يجب مع رغبة التحطيم التي شرع فيها الناس دون وعي تنظيري من أحد ما سوى شعورهم العميق بالعسف وانهيار مجتمعاتهم وتقويضها بالفساد السياسي والمحسوبية وإطلاق يد الأجهزة الأمنية المتوحشة، والتي أجهزت على الدولة ومؤسساتها حيثما حاولت أن تكون.

فقط، عبر منابر التواصل الاجتماعي تحقق شيء ما له علاقة بالتنوع والخصوبة عبر الرأي السياسي والمشهد الشعري والمونولوج الناقد والبرامج السياسية المتنوعة، تلك المنابر التي حاولت أن تزحزح وتتبنى الخلاق والجديد وليس عبر أسماء لامعة ومكرسة هذه المرة لربما كان أغلبها هو المغمور والأقل شهرة.

كما ازدهر الفكر الانتقادي وظهرت روح السخرية والرغبة في التهديم لدى الكثير من الشباب (حصريا) ممن استخدم تلك التقنيات لفضـح وكشـف هـذا الكهل والميـت في الـرؤية.

وكانت هذه بداية المشروع المضاد لتلك الأنظمة الأمنية المهيمنة وبالتالي عملية تهديمها المتواصلة والتي لن تنتهي في القريب العاجل الشعوب التي يحركها جيل آخر يستخدم اليوتيوب، والفيسبوك، والتويتر وسواها، ومن المبكر إذن الحديث عما أنجزته الثقافة لأنها فعل لاحق للحراك الثوري وتسارعه المرتبط بإزاحة النظام هائل التعنت.

محاولات المراجعة لم تأخذ شكلها النهائي وقد بدأت عبر بعض المنظرين لها وهنالك أسماء شهيرة تصدت للفهم ومحاولة الاستبصار (صادق جلال العظم، عزمي بشارة) وأعتقد أن المرحلة الانتقالية هذه ستحمل الكثير الذي بدأ، والذي يحتاج إلى بعض الوقت كي يتعضّد ويصبح أكثر قوة في الطرح والفهم له.

لقد سقطت مفـاهيم عديدة كان أغلبهـا يعد مـن البديهيات، ولها عـلاقة بالتداول على السلطـة، ومفهـوم الحرية، وعـلاقـة الفـرد بالمجتمع والدولة، ومفهوم الناس للدين ومرجعياته ومحاولة استخلاص ما يمكن أن يكون حيا وقـابلا للعيش والممارسة في سيـاق اجتماعي وكوني عـام على المقـلب الآخـر.

إن سقوط رموز أعلنت مرارا وتكرارا انحيازها للتغيير والتحول مثل (أدونيس، أو نزيه أبوعفش) كشاعرين بشرا بالحرية وتقويض الساكن، لهو كاف لوحده أن يستفز المخيلة والسؤال عن مدى جدية المثقف في الفهم والطرح وكذلك لعب دور المضلل والمزور للحقيقة، والمنظّر المدعي الذي كشفته مواقفه المعلنة.

هذه الثورات العربية التي دارت رحاها منذ أربع سنوات وإلى غاية اليوم كشفت من جملة ما كشفته كل ذاك الكهل والبائس والمزور وجرفت في طريقها وتياراتها كل من لم يستطع التقاط الجوهري والحقيقي مـن هذا الحراك ويضعه في سياقه التاريخي ويحاول بالتالي وعبره تفكيـك المشهـد وإعـادة تـركيبـه واستبصار مـا يمكـن أن يلحق به.

شاعر من سوريا مقيم في البحرين

14