لحظة احتجاج ضد الزمن

الثلاثاء 2016/11/29

ممارسة ابتدعها بعض طلاب مدرسة في أميركا مع مدرسهم، منذ أكثر من شهر ونشروها على الشبكة العنكبوتية، لكن تلقفها الجميع، يمارسها الآن زعماء السياسة وزوجاتهم، والمشاهير من نجوم السينما، الغناء، الرياضة، والإعلام، وربما حتى ربات البيوت.

ما تم تسميته “تحدي المنيكان”، تحد يتطلب الحضور بأوضاع مختلفة ومن دون حراك مشابه لدمى عرض الأزياء. ممارسة تجعلك في سكون تام، في حالة لا يطرف لك جفن، مع آخرين، تمر كاميرا الفيديو لتصور الجميع في هذه اللحظة الهامدة. الحركة توثق السكون. التقنية تتأملك. البقاء هاجعا من دون ترحال في زمن يمضي.

انتشارها بين الآخرين في الشرق كما في الغرب، لم يأت بسبب الإعجاب، لما تنطوي عليه من مشاركة لا تخلو من الطرافة والجدة والبهجة والترف، ولا في كونها لحظة توصف حدثا ما، لكنها تبدو حاجة نفسية وذهنية، خفية، لم يصرح عنها، إلى الوجود في زمن آخر افتقدناه، ذلك الذي يتعلق بحالات معيشنا اليومي والحياتي وطبيعة وجودنا فيه.

حياتنا المعاصرة، المثقلة بوفرة لا تنتهي من الهواتف الذكية حتى وسائل التواصل الاجتماعي، اللهاث الموجع لتأمين متطلبات الاستهلاك، بموادها وأشكالها المغرية، حمى التنافس والسباق المحموم مع الجميع للوصول إلى كل شيء، في العمل وفي الشأن اليومي والمعيش، بذريعة التملك، الربح، المنفعة، والشراهة. المحاولات الدؤوبة والدائمة لإثبات الذات في واقع، غاضب، صاخب، شديد التعقيد والموغل في تكريس اللامبالاة وعدم الاهتمام، وتلك الجدلية الموجعة ما بين الرغبة في النجاح ومكيدة الفشل، والهاجس الذي لا ينفك يذكرنا بالخسارات، جميع تلك التوصيفات، وربما غيرها الكثير، تحملنا على الركض السريع، وعلى اللحاق المستمر حتى الإجهاد بحياة ليست من ابتكارنا، خالية من الهناءة والألفة الغامرة.

مثل هذه الميقاتية، السرعة، أو الاشتباك الدائم مع الوقت، باتت تفقدنا زمننا الشخصي، الحي، الذي يفترض أن يكون مفعما بالمسرات والتأمل، ومتوافقا مع الحياة، في إيقاعها الطبيعي، البسيط، في حقيقتها كشرط إنساني وليست كضرورة عاجلة تفترض ذهابا وإيابا لا ينتهيان. ليس ثمة نفع يذكر في حياة تلاحقها وكأنك متأخر عنها، بدل أن تمضي معها، ترافقها، على وقع خطواتها الوادعة، كي تتخلص من تبعية القيود وكثافة العزلة.

انتشار ممارسة “تحدي المنيكان”، لا أظنه قائم بأسباب الضجر الذي يعمّ شعورنا جراء تكرار يطغى على حياتنا اليومية، بأثر التقنيات والأشياء والأفعال التي تتشابه فيها، هو أيضا ردة فعل تجاه ما نمارسه من نمطية في علاقتنا مع الزمن، الذي يحتاج بدوره إلى طريقة تعبير وممارسة مغايرة عما اعتدناه في تعاملنا معه، ما يستدعي طريقة جديدة في التذكير بكون العجالة والتيه اللذين يغمراننا يحتاجان إلى سلوك مختلف، إلى التفكير أيضا بالبطء، من الوقوف واستعراض وجودنا في برهة تعود لنا، وتخصنا بمفردنا. إنها لحظة احتجاج ضد طغيان زمن لا يؤمن بالصمت.

24