لحظة الخليج.. كتاب يبحث في دور منطقة تقود العالم العربي

الباحث والأكاديمي الإماراتي عبدالخالق عبدالله يدق ناقوس "أكبر خطر وجودي يواجه لحظة الخليج من الداخل هو خلل التركيبة السكانية التي بلغت مستويات غير معقولة وغير مسبوقة في ظل تراجع نسبة المواطنين".
الخميس 2018/07/19
جزء تابعا متأثرا ومنفعلا بما يجري في السياق العربي

لن يبحث أي مراقب كثيرا في تأمله للواقع العربي الراهن ليهتدي إلى الدور الأساسي والمفصلي الذي باتت تلعبه دول الخليج في تحديد مصائر ومسارات بلدان المنطقة. انتقل مركز الثقل الأساسي نحو الخليج ليكون مفترق العرب في المال والاقتصاد كما في السياسة والأمن والدفاع. وعلى الرغم من أن هذا التحوّل بات ناجزا، إلا أن الدراسات حوله ما زالت في استنتاج نهاية الأمر بحيث تبدو “اللحظة الخليجية” التعبير الأدق والأسلم للخوض في غمار التجربة الخليجية الحديثة.

يعيد الباحث والأكاديمي الإماراتي الدكتور عبدالخالق عبدالله اكتشاف هذا التعبير الذي راج في السنوات الأخيرة ويعيد صوغه في كتابه الصادر حديثا عن دار الفارابي في بيروت. يعرض كتاب عبدالله “لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر”، لواقع أمر تفرضه دول مجلس التعاون الخليجي على المنطقة والعالم. والأسطر التي تنبسط على 250 صفحة تنهل بالحجة والبيان وتستند إلى لغة الأرقام والإحصاءات ومناهج البحث الحديث لبيان وجوه “اللحظة” ومظاهر قوتها وواجهات القلق داخلها.

حمل الأستاذ الجامعي الإماراتي دكتوراه من جامعة جورج تاون في العلوم السياسية وراح يكتب بجانب مهامه الأكاديمية كتبا لم تحد عن وظائف البحث عن يوميات العيش الخليجي في السياسة كما في الشهادات الشخصية لذلك الخليجي المسافر في هذه الدنيا.

يعلن الكتاب أنه “بعد غياب طويل تستعيد منطقة الخليج العربي نفوذها وتجاهر بحضورها العالمي”. ورغم أن الكاتب يوحي بأن في “اللحظة” عودة إلى دور فقد، إلا أن تأملا بسيطا للحالة الخليجية يكتشف ريادتها بمعنى أنها تخوض غمار مغامرة لأول مرة بحيث تجد دول المنطقة نفسها مسؤولة عن مصير “الأمة” وهو أمر لطالما كان لدول عربية أخرى باع طويل في الزعم بالدفاع عنه.

ينتقل عبدالخالق عبدالله بالخليج من لحظة الأمس إلى لحظة الحاضر: “كان الجزء الخليجي خلال معظم عقود القرن العشرين تابعا متأثرا ومنفعلا بما يجري في السياق العربي”.

ويشدد الكاتب طوال عرضه الطويل أن المنطقة جزء من كل وأن صعودها وترقيها إلى مصاف الزعامة والقيادة لا ينسيها دائما أنها جزء من كل. وفي حكاية هذا المسار من “الهامش” إلى المتن يرصد الكاتب كيف أنه “مع نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين انتقل الثقل الاقتصادي والدبلوماسي والإعلامي العربي بشكل حاسم إلى الجزء الخليجي بعد أن كان متموضعا حول الثقل العربي مصر وسوريا والعراق”.

 يروي الباحث تراكما معرفيا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا قاد إلى إنتاج “اللحظة الخليجية”. ويسارع إلى التأكيد مدعما بالمعطيات التي لا تخفى على أكاديمي بصفتها من أعمدة البحث الإجبارية أن ذلك التراكم، الذي توفر خلال ولادات أربع يشرح الكتاب حيثياتها، “ينبئ بأن لحظة الخليج تقوم على أرضية صلبة وأسس ثابتة مدعومة بقدرات مالية ضخمة وأوضاع سياسية مستقرة وقيادات طموحة”. وعلى الرغم من لهجة اليقين التي توحي بها خلاصات عبدالخالق عبدالله، إلا أن في سطور الكتاب عبق أسئلة عن مستقبل ما هو صلب وثابت في عالم شديد التحول.

يربط الكتاب ما بين صعود الخليج وتراجع باقي العرب. لكن الباحث يذهب بعيدا في استكشاف خفايا اللحظة الخليجية بحيث يجد لها جذورا تنبأ بها من قال يوما بنهاية التاريخ (فرانسيس فوكوياما) ومن “بشّر” يوما بصراع الحضارات (صامويل هنتنغتون). يقول عبدالخالق عبدالله “لحظة الخليج هي لحظة غير مسبوقة في التاريخ العربي تزامن بروزها مع انهيار الكل العربي وتراجع نفوذ دول قيادية، كما تزامن بروزها أيضا مع بروز لحظة جديدة في التاريخ العالمي المعاصر هي لحظة العولمة”.

غير أن تفسير الحالة الخليجية الراهنة يستدعي أيضا الغوص في الإطار النظري لمفهوم الدولة في القرن الواحد والعشرين. تحلّق منطقة الخليج في مرحلة يعيد العالم برمته إعادة تأسيس قواعدها. تفرض العولمة قواعدها بحيث باتت الحدود بين الدول وهمية تخترقها حسابات ومصالح وأنماط إدارة بين الدول. يقر الكتاب بحقيقة فسّرت إنبلاج “اللحظة الخليجية”، ذلك أن العولمة “غيرت طبيعة الدولة الوطنية التي لم تعد تتمتع بالسيادة المطلقة، فزمن السيادة المطلقة ولى”.

يقفز الباحث إلى مرحلة “الربيع″ العربي معتبرا أنها استحقاق دفع دول الخليج لتحمل “مسؤولياتها التاريخية تجاه ما يجري في دول الجوار”. بدا أن الدور الخليجي بات إجباريا يفرضه ارتقاء دول المنطقة إلى مصاف الدول التي عليها تقرير مستقبل الدوائر الإقليمية حولها. الأمر ليس ترفا بل من صلب الأمن الاستراتيجي ومتطلباته.

لا يجادل عبدالله في أن العامل المالي كان محددا أساسيا في تأهيل دول المنطقة لتلعب الدور الذي تلعبه في السياسة والشؤون الاستراتيجية الكبرى. يتحدث الكاتب عن “لحظة رأس المال الخليجي”. يجول على كافة دول الخليج ويسلط المجهر على دولتين خليجيتين بات اقتصادهما رافعة لريادتهما السياسية: “السعودية والإمارات عملاقان اقتصاديان يقفان في قائمة متميزة فهما أكبر اقتصادين خليجيين وعربيين ويبلغ إجمالي ناتجهما الوطني معا أكثر من تريليون دولار، أي نحو 75.4 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي الخليجي، و42 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي العربي، ما يعني أنهما وحدهما تشكلان نحو نصف حجم الاقتصاد العربي”.

لكن الأمر ليس ثروة ومالا فقط؛ يتحدث عن الإمارات فيقول: “بعد تراجع قطر وتركيا وإيران وقبل ذلك مصر ولبنان، صعد نجم الإمارات التي تتربع وحدها على عرش القوى الناعمة الخليجية والعربية”. يسهب مطولا في الحديث عن مواطن القوة الناعمة في مسارات القوة عند دول الخليج والتي أبرزت الدور الجديد للمجموعة الخليجية، لكنه يقر بأن المنطقة انطلقت إلى مرحلة القوة الصلبة وأنه “خلافا للتوقعات تحولت بعض الدول الخليجية الصغيرة إلى قوى عسكرية عملاقة ويعتد بها وتمتلك ترسانة من الأسلحة الدفاعية والهجومية الأكثر تطورا في العالم”.

Thumbnail

وإذا ما قورنت أدوات الحكم في بعض بلدان الخليج مع بقية الدول العربية سيسهل للباحث أن يعثر على ميزة وجب التوقف عندها. ومن يراقب توزيع المناصب داخل هذه الدولة أو تلك يلمح ظاهرة باتت تقليدا تكمن في إيكال مسؤوليات كبرى في مجالات الاقتصاد والاستثمار والأمن والعسكر والسياسة والإعلام إلى وجوه شابة يجري تأخير بروزها في بقية بلدان المنطقة. لكن الأمر ينسحب بشكل ملفت صوب الطبقة الأولى من هيكل الحكم.

يسجل لدول الخليج أو بعضها أنها أجادت التعايش مع “انتقال السلطة إلى جيل جديد من قيادات شابة برزت خلال الـ20 سنة الماضية وتقود حاليا لحظة الخليج الناعمة والصلبة في التاريخ العربي المعاصر”. يجري أمر ذلك مع تطور اجتماعي طبقي بما في ذلك ما طرأ على وضع المرأة، وهي جوانب يفرد لها الكتاب الحيّز الرحب.

ورغم السرد الذي يكاد يكون احتفاليا يختزن الكاتب في يراعه مظلومية يسهل أن تجدها في آراء وكتابات الكثير من أهل الثقافة في الخليج. يقول عبدالخالق عبدالله: “التعامل النخبوي مع الخليج كمنطقة هامشية معرفيا وثقافياً، ينتمي إلى عقلية القرن العشرين وليس إلى حقائق ووقائع القرن الواحد والعشرين، ويعاني جهلاً بالحالة الثقافية الخليجية المعاصرة، ويحمل في طياته موقفا استعلائياً مسبقا ما زال سائداً لدى النخبة العربية وقطاعات شعبية لا تعرف أن مجتمعات الخليج مرت بمراحل واضحة المعالم من المحافظة إلى الحداثة ثم إلى مطالع ما بعد الحداثة”.

ويقول “عانى الخليج طويلا وما زال يعاني نظرة الازدراء العربي، ولا يمكن أن يستبدل الشعور بالاستصغار بشعور الاستعلاء الزائف. فالحديث عن لحظة الخليج لا يعني التقليل من شأن الكل العربي”.

غير أن هذه المظلومية التي يرويها الكاتب قد تجافي الحقيقة وتمثل ربما شعورا خليجيا مزمنا بجفاء الود مع باقي الشعوب العربية. غير أن الرأي العام العربي الذي ربما كان أسير صورة نمطية عن الخليج والخليجيين قد تطور كثيرا بحيث أنه بات مقرا بالتراجع الذي يشبه التخلف الذي أصاب البلدان العربية في كافة المجالات، مقابل التقدم الذي لا جدال فيه والذي طرأ على عيش الخليجيين وتعملق مدنهم وما بات يملكونه من باع في الثقافة والسياسة يتداعى مباشرة على كافة أرجاء المنطقة.

يعيد الكاتب التذكير بمعادلة الجزء والكل؛ “لا يود الجزء الخليجي أن يخترع لنفسه مكانة لا تليق به، وليس في وارد تقمص ريادة لا تناسبه، وليس هناك رغبة لدى المواطن الخليجي في تقمص شخصية وهوية غير هويته العربية”.

يطل عبدالخالق عبدالله متسلقا السلم الذي ارتقاه الخليجيون خلال العقود الأخيرة. وحين يخال أنه قد لامس القمة فإن جزع الباحث يدفعه لإعادة ضبط قرائه على عقارب العقل والتعقل؛ يقول “لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر لحظة تأسيسية واعدة، لكنها كأي لحظة أخرى، بما في ذلك لحظة العولمة ولحظة آسيا ولحظة أمريكا في التاريخ العالمي، ملأى بنقاط القوة ونقاط الضعف، وتواجه معضلات وأزمات قديمة وجديدة ومتجددة، وتواجه تحديات”.

وفي الحديث عن الأزمات يدق ناقوس “أكبر خطر وجودي يواجه لحظة الخليج من الداخل هو خلل التركيبة السكانية التي بلغت مستويات غير معقولة وغير مسبوقة في ظل تراجع نسبة المواطنين” من إجمالي عدد السكان. في ذلك تذكير بأن الكثير من المسلّمات عرضة للنقاش؛ فإذا كان الباحث يحيل “اللحظة الخليجية” إلى تعملق العولمة وتراجع الحدود، فإن تفكيرا خليجيا عميقا قد يحتاج إلى الاهتداء إلى أجوبة على أسئلة بنيوية مثل: هل أن صعود الخليج كان سببه أن حدود هذه المنطقة كانت مفتوحة أمام الآخر تنهل من قواه وخبراته؟ وهل دوام القوة سيستمر إذا ما أُقفلت الدائرة الخليجية أمام العالم؟

أسئلة يتجادل الخليجيون بعجالة حول وجاهتها.

7