لحظة القبض على القصيدة

الاثنين 2017/07/31

كيف يمكن استدراج القصيدة من فضائها العالي، والقصيّ كالظن، إلى أرض اللغة؟ لا يمكن إنزالها من تجريدٍ محضٍ الى تجريدٍ أشدّ. لا بد لها من كيان لغويٍّ يحتضنها، ويمنحها حسيتها الطاغية، دون أن يلغي تماسّها البشريّ الحار مع الفكر والتأمل اللذين يشحنانها بالدلالة العامرة بالحياة.

يبدو أن الحديث عن لحظة إلهامٍ شعريٍّ محضٍ هو مذهبٌ لا يقرّ به الكثيرون، فالقصيدة اليوم ليست لحظة حلمية مطلقة بل هي، في الكثير من الأحيان، برهة يتحد فيها الوعي بالحلم، والدربة بالموهبة، والثقافة بالتمرس. وليس هناك من قصيدة حقة، جديرة بالاعتبار، كما يقول يوري لوتمن، دون قدرٍ من الوعي والإرادة الثاقبة الخفية.

الكثير من الشعراء يضايقهم الحديث عن لحظة الكتابة لديهم. وكأنهم لا يريدون كشف مطبخهم الشعري أمام المارة، كما كان يقول الراحل محمود درويش. ولحظة الكتابة هذه ليست واحدة لدى الشعراء جميعاً. فهي تختلف في التفاصيل كما تختلف في اشتراطات المكان والزمان. غير أن هناك من يتصيدون هذه اللحظة النادرة، لحظة الصيد، خارج البراري المعتادة.

ولأن الشعراء، كما قلنا، ليسوا على حال واحدة في كتابة القصيدة، فإن قصائد الشاعر لا تعيد السيناريو نفسه في لحظة الكتابة. قد تبدأ القصيدة بالنسبة للبعض على شكل عبثٍ جميلٍ باللغة، أو صورةٍ جزئيةٍ تائهة في ظلامٍ شفاف كالبياض، أو بيت يتلفت إلى الجهات جميعاً في انتظار صديق يتبعه. وقد تكون بداية القصيدة همهمةً إيقاعيةً لا تفصح عن شىء. كل ذلك حدث لكم ولي ولآخرين، وما زال يحدث إلى أن يجتمع شمل النصّ وتلتئم أطرافه في عملٍ ذي شكلٍ لغويٍّ ملموس.

قد تبدأ القصيدة في التشكّل قبل أن يتناول الشاعر قلمه وأوراقه فعلاً، أي أن جزءاً من جذور قصيدته يظلّ كامناً وغير مرئي إلى أن تبدأ أصابع الشاعر بالتأوّه، وتفتح أهدابها ليسيل منها حنينٌ لا يعلق بأطراف اللغة، بل يمضي إلى البعيد والصميميّ منها. له نكهة العذاب تارة، وغزارة الفرح الكوني تارة أخرى.

ولكن هل حقاً أن القبض على القصيدة، كما يظن البعض الآن، لا يتم إلاّ بكمائن ملونة، وفي ساعات محددة من الليل أو النهار؟ كان الشاعر القديم يذهب به الظن، أحياناً، إلى ما يشابه ما نتحدث عنه.

ويبدو وقت السحر، كما في كلام ابن رشيق أو في وصية أبي تمام للبحتري، وقتًا شعريًّا بامتياز، وربما لا يزال العمل جارياً به لدى بعض الشعراء. كما أن خلوّ البال من الانهماكات والشواغل يفسح المجال لنشاطٍ روحيٍّ وحيويةٍ نفسيةٍ تتطلبها القصيدة وتأنس بها.

وكان الشعراء القدامى يتوسّلون بطرقٍ شتى لاستجلاب هذه اللحظة الفريدة: بالطبيعة وتقلباتها، والتموّج الانفعالي للنفس، وفتنة الموضوع الشعري، ألم يكن النسيبُ مثلاً دهاءً شعرياً أحياناً لتطويع قريحة الشاعر، وتليين عريكتها وصولاً إلى توريطها، بعد ذلك، في موضوعاتٍ أقلّ جاذبية وإغراءً للنفس.

وقد يذهب البعض، من شعراء هذا الزمان، إلى عاداتٍ أخرى، لون الورق مثلاً، ولون القلم وما للحبر من رائحة. فكأن للقصيدة، كما يرون حاسة شمٍّ قويةٍ، تستدرجها رائحةُ الحبر، ويستثيرها المكان أو الزمان، حيث تفارق فيه تمنّعها وشراستها، وتجنح إلى اللين والمطاوعة في أوقات بعينها أو أماكن مخصوصة.

غير أن للدربة الممتدة وللمراس الشعري الطويل أثرهما الذي لا ينكر. إنهما يتحولان مع طول العهد والملازمة إلى سجيةٍ داخليةٍ لصيقةٍ بالشاعر، تتمكن منه ويغدو لها قوة الجِبِلّة الراسخة، حتى يصبح الشاعر قادراً على التحكم في وقت كتابته للقصيدة أو مكانها.

ومع ذلك كله، يظل القول في بواعث الشعر ومحفزاته مقدحاً للكثير من الضوء والشرر، وملتقىً أومفترقاً ربما، لشتى الأقاويل والاجتهادات.

شاعر عراقي

14