لحوم الدكتور تنقذ المصريين من غش الجزارين

نزع الجزارون ثقة المواطن المصري في اللحوم المباعة بعد انتشار ضبطيات لحوم الحمير، وحاولت مجموعة من الأطباء البيطريين ضرب عصفورين بحجر واحد عن طريق إعادة تلك الثقة بمشروع “لحوم الدكتور” كفكرة من خارج الصندوق وفي ذات الوقت للخروج من كابوس بطالة الشباب وإيجاد فرص عمل بدلا من الانتظار.
الخميس 2017/07/20
"صحتك تستاهل"

القاهرة- الكثير من المصريين يصفون الطبيب بأنه جزار (صاحب محل بيع اللحوم) نظرا لطبيعة عمله التي تستدعي قلبا جامدا ومشرطا وأحيانا لتعامله مع الجسد مثل تعامل الجزار مع الحيوان، لكن بمرور الوقت تحولت صفة الجزار بالفعل إلى مهنة لبعض الأطباء. في أحد شوارع مدينة الإسماعيلية (شرق القاهرة وتقع على قناة السويس) تجذب أعين المتجولين واجهات زجاجية لمحل جزارة تعلوه لوحة مضيئة تحمل عنوان “لحوم الدكتور” لمجموعة من الأطباء البيطريين، وأسفلها مباشرة لافتة أصغر تحمل عنوانا باللون الأحمر “أول جزارة لطبيب بيطري بلدي 100 بالمئة”، وعلى الجانبين رسومات مزخرفة لجميع أنواع الحيوانات أمامها زهور وورود.

الجزارة مهنة إعداد اللحوم بجميع أنواعها خاصة الحمراء من حيوان ما (بقر وجمال وغنم بأنواعها…) وما يتعلق به من أمور البيع، ويتم نحر الحيوان من طرف الجزار ثم يتم سلخه وتقطيعه ويعرض للمواطنين للبيع. داخل المحل لا يقل جاذبية عن خارجه بجدرانه النظيفة والمزخرفة وبالتعليمات التي تخص أجزاء الحيوان وقائمة إرشادات لأنواع اللحوم المناسبة لكل نوع من الطعام، وطريقة الطهي، إضافة إلى أن المحل مكيف والثلاجات جيدة والميزان ديجيتال، والأهم لافتة توضح الغرض من مشروع الشباب الأطباء في كلمتين.. “صحتك تستاهل”.

صور على مواقع التواصل الاجتماعي لمحل جزارة الدكتور تحت شعار "في وداع لحم الحمير"

أربعة شباب بينهم طبيبة خريجو كلية الطب البيطري هم القائمون على مشروع “لحوم الدكتور”، كان يغضبهم أثناء دراستهم مسميات تطلق عليهم بأنهم دكاترة حمير وبهائم وكلاب وقطط، لكن بعد التخرج لم يعيروا بالا للنقد. لم تصدمهم قرارات الحكومة بوقف تكليف الأطباء البيطريين، ولم ينضموا إلى طابور البطالة التي طالت خريجي كليات القمة تحت لقب أطباء ورفعوا شعار “كن خفيفا فليس هناك تكليف.. ابحث عن رزقك بنفسك”.

لم ينتظروا فرصة عمل بل صنعوها وتبنوا فكرة مشروع شبابي بمفهوم ومنظور جديدين على المجتمع، ليطبقوا ما درسوه في الكلية بعيدا عن العيادات البيطرية بل داخل محل جزارة بعدما اطلعوا عبر الفضاء الإلكتروني على نماذج عالمية منها. قرروا وساندهم آخرون درسوا تحليل اللحوم وكيفية اختبارها وتحديد جودتها ويعملون في التفتيش على الأغذية، افتتاح محل جزارة على النمط الأوروبي ميزانيته تبلغ 100 ألف جنيه (5500 دولار) وخرجوا للمجتمع المصري لأول مرة بمشروع “لحوم الدكتور”.

دراسة الطب البيطري والمعرفة الكاملة بالأخطاء الشائعة التي يقوم بها معظم الجزارين وعقليتهم المنفتحة على الأساليب الحديثة والجذابة، من الأسباب التي جعلت مشروعهم مميزا وسط المحافظة. يقوم الأطباء الأربعة باختيار الماشية والكشف عليها ومتابعة طريقة الذبح على الطريقة الإسلامية داخل المسلخ والتأكد من الشروط الصحية اللازمة.

غرفة عمليات

“تشتري وأنت مطمئن لأن صحتك تستاهل” شعار حمله فريق “لحوم الدكتور” كوسيلة دعائية لهم، من خلال تدشين صفحة باسم المحل لاقت ترحيبا شديدا من المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي. داخل محل الجزارة ارتدى الأطباء-الجزارون الزي التقليدي لمهنة الطبيب، فوقفوا داخل المحل على قدم وساق بكمامات طبية على أنوفهم و”بالطو” أبيض وغطاء للرأس وقفازات للأيدي، تحسبهم بغرفة عمليات أو عيادات طبية، وهو محل جزارة يبيع لحوما طازجة لا يختلف سعرها عن السوق في شيء، والمدهش مساعدتهم للزبائن في اختيار القطع المناسبة لما يريدون طهيه.

الطبيب الجزار

محمد شاب في منتصف العشرينات عمل طبيبا بيطريا، أحد القائمين على المشروع، أكد لـ”العرب” أن الفكرة تبلورت في ذهنه ورفاقه بعد عامين من التفكير وزاد من أهميتها انتشار الكثير من الضبطيات للحوم فاسدة لا تصلح للاستهلاك الآدمي، لحوم حمير وحيوانات أخرى تسربت للأسواق. أوضح البيطري الشاب أنه خلال عمله ضمن حملات التفتيش على محلات الجزارة كشف الكثير من المخالفات، ووجد أن أصحابها يغشون المواطن ويبيعون اللحوم المستوردة على أنها بلدية ومعظمهم لا يتبع الشروط الصحية، وهناك حالات ذبح تتم خارج المجازر الحكومية، وبالتالي لم يتم الكشف على سلامة الذبيحة من الأمراض.

يمتلك والد الطبيب مزرعة لتسمين العجول البلدية، يشرف عليها البيطريون الأربعة، فاستخدموا ما تعلموه على مدار سنواتهم الدراسية في التعامل مع حيوانات المزرعة واكتشاف الأمراض مبكرا وعلاجها والتفرقة بين المفيد والضار منها. وتحدث الطبيب عن الصعوبات التي واجهتهم في البداية والانتقادات من البعض خاصة زملاء المهنة كونهم درسوا الطب ويعملون في مهنة الجزارة، لكنهم لم يعيروا بالا لذلك، لأنهم كانوا يدركون أن الفكرة لن تلقى قبولا من المحيطين بهم. لفت محمد إلى أنهم استطاعوا خلال ثلاثة شهور جذب ثقة زبائن كثيرين، وأصبح العائد من المحل مُرضيا بالنسبة له ولشركائه، وهو ما جعلهم سعداء بمشروعهم، ودراسة افتتاح فروع أخرى، ليكونوا قدوة لغيرهم في كيفية صنع فرص العمل، وطالب رجال الأعمال بتبني الفكرة ودعمها ماديا لتعميمها بمحافظات مصر.

فساد الذمم

مشروع “الطبيب الجزار” إلى الآن لم يوجد له أثر في القاهرة، لكنه لقي محاكاة من أطباء آخرين في محافظتي بور سعيد (شرق القاهرة) ومحافظة سوهاج (جنوب القاهرة). هاني طبيب بيطري بمحافظة سوهاج، افتتح محلا أطلق عليه “جزارة الدكتور” لا يختلف عن “لحوم الدكتور” ويديره ويشرف عليه بنفسه. أكد أن سبب إقباله على هذا النوع من النشاط ما قام به زملاؤه في الإسماعيلية، ويقينه أن هناك عمليات ذبح لا تتم في المجازر، وثمة بكتيريا تنمو باللحوم نتيجة سوء التجهيز مما يفقدها قيمتها الغذائية.

الطبيب البيطري فقد الثقة في اللحوم المبيعة وتساءل “عن وضع المواطن البسيط الذي يفتقد إلى المعرفة حول مدى سلامة اللحوم”، وأوضح لـ”العرب” أنه يرشد زبائنه إلى كيفية التعرف على اللحوم الفاسدة التي تتميز بوجود فقاعات غازية أسفل الجلد. وأشار إلى أنه لاحظ أن المواطنين يقبلون على اللحوم الخالية من الدهون ويحرصون على أن تكون “لينة”، لكنهم يغفلون عن لونها الذي هو الفاصل الرئيسي في التمييز بين اللحم الجيد من الفاسد، فما بين الأحمر الوردي والأحمر الداكن والأصفر، تكمن الخطورة.

هذه العلامات لا يعرفها سوى الأطباء البيطريين لأنهم درسوا “تحليل المخاطر” التي من الممكن أن تصل أو تصيب الأطعمة ويستطيعون التحكم فيها والتقليل منها. ولفت إلى أن مدة صلاحية اللحوم التي يتم ذبحها داخل مصر لا تتجاوز 5 أيام ومن الضروري ألا يقبل المواطن على شراء أي لحوم مر عليها أكثر من هذه المدة. “جزارة الدكتور” تخضع للإشراف من قبل رقابة خارجية من مديرية الصحة والطب البيطري كباقي محلات الجزارة الأخرى، ورقابة ذاتية من الطبيب البيطري عليها، بما يضمن للمواطن الحصول على لحم بلدي 100 بالمئة معلوم المصدر وخال من البكتيريا.

دراسة الطب البيطري والمعرفة الكاملة بالأخطاء الشائعة التي يقوم بها معظم الجزارين وعقليتهم المنفتحة على الأساليب الحديثة والجذابة، من الأسباب التي جعلت مشروعهم مميزا وسط المحافظة

وطالب الشاب نقابة الأطباء البيطريين بالسعي إلى عمل بروتوكول تعاون بينها والجهات المسؤولة، وتواجد طبيب بيطري في محال الجزارة والمطاعم الكبيرة للإشراف على استلام اللحوم ومتابعة طرق التخزين بأسلوب علمي. وجود مجازر في ظل عدم وجود طبيب بيطري أصبح مسألة خطيرة لا تحتمل التسويف ويفتح الباب على مصراعيه أمام منعدمي الضمير لخداع المواطنين وتعريضهم لمخاطر صحية وأمراض مزمنة. تمنى الأطباء الشباب الذين حاورتهم “العرب” والقائمون على هذا النشاط تعميم المشروع ودعمه ماديا ومعنويا وأن تقوم بعض الجهات الخاصة والحكومية بالإشراف على توسعته.

وأوضحوا أنهم درسوا نظاما عالميا اسمه “هاسب”، وهو نظام وقائي يعنى بسلامة الغذاء من خلال تحليل المخاطر البيولوجية أو الكيميائية أو الفيزيائية، التي تصيب الأطعمة ومن ثم تحديد النقاط الحرجة التي يلزم السيطرة عليها لضمان صلاحية الذبيحة والحفاظ عليها من البكتيريا. وأكدوا أن عدم فعالية الطرق التقليدية في الحد من التسمم الغذائي زاد من عدم ثقة المستهلك في المنتج، ضاربين مثالا بأن لوحة التقطيع التي تستخدم للخضراوات لا يجب استخدامها في تقطيع اللحوم، لأن كل نوع يكون له محتوى بكتيري مختلف عن الآخر.

قبول ورفض

استغرب الكثير من المواطنين في البداية تغير العلاقة بين البيطريين والجزارة، فبعدما كانت تقتصر على آرائهم ومباغتتهم للمحلات للكشف عما إذا كانت اللحوم صالحة أم فاسدة، وقفوا يبيعون بأنفسهم حسب رغبة الزبون ويغلفونها بالشكل المطلوب ويكتبون على الغلاف كل التفاصيل. أرجعت زينب رشاد (ربة منزل) هذا الإقبال لثقة المواطنين في خلو هذه اللحوم من الأمراض والأوبئة، وقبل ذلك هي ليست لحوم حمير أو كلاب.

وقالت لـ “العرب” إن أي ذبيحة غير مختومة (مجازة رسميا) تعد ذبيحة سرية، وتحتمل الجودة أو الرداءة، وما أكثر الأخيرة، لأن أغلب الجزارين يبحثون عن ربح سريع في مقابل المخاطرة بصحة الإنسان وتعريضها للخطر. ربة المنزل أعجبتها كثيرا فكرة الطبيب الجزار الذي يشرح لها مكان كل قطعة لحم في الذبيحة، وفائدتها وأي نوع من الطعام يناسبها، إضافة إلى وصفات سريعة التحضير للمرأة العاملة مع إمكانية توصيل الطلبات إلى المنازل.

أما حسن يونس (مهندس)، فيرى أن المشروع الذي قام به الأطباء أعفى المواطن من مسؤولية فحص اللحوم للحصول على الجيد والبلدي منها، فقد أصابه الشك بعد التعدي على الأطباء البيطريين أثناء أداء عملهم ورفضهم لإجازة بعض الذبائح لعدم مطابقتها للمواصفات، وهو ما نتجت عنه سرقة الأختام البلدية واستخدامها في ختم اللحوم المستوردة والمغشوشة من قبل بعض الجزارين.

لحوم على قارعة الطريق

وأشاد بفكرة الطبيب الجزار لأنها تجعل المواطن يقوم بالشراء من محلات معروفة وواثقا بأن الختم صحيح، لأنه من الممكن أن يبدو الشكل الخارجي للحوم جيدا ومختوما إلا أنها ليست كذلك. وأضاف لـ”العرب” أن نظافة المكان تشجع المواطنين على الشراء “بقلب جامد” فالمكان يشبه العيادات الطبية، واللحوم تخضع للكشف الطبي كالمريض تماما لضمان جودتها ومطابقتها للمعايير الصحية والاشتراطات القانونية.

لاقت الفكرة أيضا إعجابا وتشجيعا من قطاع كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وأشاد مستخدمو “فيسبوك” بالفكرة لضمان متابعة طرق الذبح ولاختيار الذبائح البلدية السليمة، فهم أكثر الناس خبرة بمصدر اللحوم. وقام آخرون بنشر صور لمحل “جزارة الدكتور” تحت شعار “في وداع لحم الحمير بمحلات الجزارة” وتمنى آخرون أن يتم تفعيل النشاط في المطاعم أيضا ليودعوا “لحم البسبس” في إشارة منهم إلى ضبطيات لحم قطط في بعض المحلات وإغلاقها.

لكن في الوقت الذي أشاد المواطنون بالفكرة وطالبوا بتفعيل هذا النوع من النشاط في كل محافظات مصر، اعترض الجزارون الآخرون خوفا على مصالحهم المعرضة للانهيار، أما من هم داخل المهنة فثاروا خوفا على مهنتهم من التدني، متهمين أصحاب المشروع بالإساءة لكل حاملي شهادة الطب البيطري، وأنهم سيكونون سببا في إهانتهم جميعا. منال وجيه (طبيبة بيطرية) حصلت على شهادة التخرج منذ عشرة أعوام، لم تعجبها الفكرة، واعتبرتها إساءة إلى المهنة والعاملين بها، وأكدت لـ”العرب” أن الأطباء البيطريين شأنهم كالآخرين، من حقهم البحث عن مصدر رزقهم إذا كان العمل بالمؤهل الدراسي تواجهه عقبات.

لكن الطبيبة رفضت الإعلان عن مهنتها الجديدة والتسويق لها باستخدام واستغلال اسمهم المهني مما يعتبر إساءة إليهم وإلى المهنة ذاتها. وقالت لـ”العرب” إن كل شخص له مطلق الحرية في ما يريد أن يعمل، لكن دون استخدام لقبه المهني (طبيب بيطري) كدعاية لعمله الجديد أيا كانت المبررات التي يسوقها. وطالبت نقيب الأطباء البيطريين خالد العامري بالتدخل لحماية سمعة الطبيب البيطري والعودة به إلى الوضع الطبيعي الذي يليق بالمهنة وبالعاملين فيها، ويحميها من التطاول لأن عليها من الأقاويل ما يكفيها ولا ينقصها المزيد. وما زال الخلاف بين الأطباء البيطريين قائما في انتظار موقف نقابة الأطباء البيطريين من هذا النشاط لحسم القضية.

تصوير محمد حسنين

20