لدي ما يكفي لشهر من الأدوية

أستطيع الآن أخذ حبوب مقاومة التوتر وأنا مطمئن. ماذا يحتاج المرء في عصر بريكست أكثر من علبة باقلاء محفوظة و28 حبة ضغط ودزينة قوارير ماء حلال؟ نسينا خزين الشمع.
الأربعاء 2019/04/10
لن يعيقني امتناع شركات البريد والتوصيل عن نقل الأدوية

يتحدث بعض العرب في لندن عن استعداداتهم لبريكست. أغلب العرب في بريطانيا مهاجرون من دول مرت أو تمر بأزمات. كثيرون منهم شهدوا ما تعنيه قلة المعروض في السوق من بضائع نتيجة الحروب والحصار وتراجع سعر العملة والتخبط الاقتصادي والسياسي. الخدمات هي الضحية الأولى لأي قلق سياسي. الأدوية عملة نادرة لها سوقها السوداء الخاصة.

العراقي مثلا لا يرى طابورا إلا ويتوقع أنه لتوزيع البيض، حتى لو كان طابورا على تذاكر القطار. “طابور الجمعية” تجاوز الوصف ليصبح مصطلحا يعبر عن أشياء كثيرة للمصريين وغير المصريين. بعض السوريين لا يرمي زجاجة فارغة بل تلجأ أم البيت إلى غسلها وتخزينها لأيام قادمة. من يدري ماذا يخبئ لنا القدر؟

هذه المخاوف الحقيقية حملها المهاجرون معهم. لدى الكثير من المهاجرين شموع تحسبا لانقطاع الكهرباء في بلد لم أر فيها انقطاعا خلال 30 سنة. البعض حسّن من نظرته لهذه المخاوف فاستعاض عن الشموع العادية، بشموع بعطور مختلفة صارت موضة هذه الأيام تستبدل البخور والعود. عطر ونور.

يناقش هؤلاء العرب خطط الطوارئ. تشمل هذه الخطط خزين المعلبات الحلال. أغلب المنتجات الحلال تأتي من أوروبا. نقانق حلال وحمص حلال وماء حلال. الماء الحلال يأتي من عيون في مناطق لا تربى فيها الخنازير. ما الذي أخذ الخنازير إلى الينابيع، لا أدري. المهم أنه سلعة رائجة. صاحب الدكان التركي القريب من منزلنا سيشتري سيارة جديدة من أرباح بيع نوادر الحلال هذه. لعل الإطار في السيارة الجديدة من أرباحه من تسوقنا المنزلي.

خطط الطوارئ بالنسبة لي هي الأدوية. استكملت قبل أشهر قائمة الأدوية التي يعطيها أي طبيب لمجموعة من المرضى: ضغط، كوليسترول، معدة، وسكري. أفتخر بقرقعة فتح أغلفة الشريط المعدني الذي يحتوي على الحبوب كل صباح وبعض منها في المساء. لدينا عائلة صديقة يعاني رب الأسرة فيها من آلام المفصل فيصفون له مسكنات. زادت عن حاجته فصار يتبرع ببعضها لي. لا تنس المرهم للركبة يا أبا محمد.

لدي الآن ما يكفي لشهر. قوّيت علاقاتي مع أصدقاء في تونس والمغرب يتحركون مثل المكوك بين الرباط وتونس ولندن. هذان أقرب بلدين عربيين غير أوروبيين. صار بعضهم يتصل قبل المجيء ليسأل إن كنت أحتاج أدوية. زرعت القلق عليّ في قلوبهم. إحساس جميل بأن خطط الطوارئ الخاصة بي أفضل من خطط الطوارئ للحكومة البريطانية. لن يعيقني امتناع شركات البريد والتوصيل عن نقل الأدوية.

أستطيع الآن أخذ حبوب مقاومة التوتر وأنا مطمئن. ماذا يحتاج المرء في عصر بريكست أكثر من علبة باقلاء محفوظة و28 حبة ضغط ودزينة قوارير ماء حلال؟ نسينا خزين الشمع.

24