لسان الجسد

كان تاريخ النحت سجلا لمسار المعنى الجسدي وقدرته على أن يكون بذاته ما ليس في ظاهره، فبات التاريخ متجاوزا لكتل الأعضاء العارية إلى محكيات عن الظاهر المرئي وغير المرئي.
الأربعاء 2018/07/18
الجسد كتلة غير ناطقة (لوحة: إسماعيل الرفاعي)

الجسد كتلة غير ناطقة، حتى لا نقول خرساء، فيها الظاهر والمخفي، لكن لا يمكن أن تكون مجرد خفاء، هي دال قبل أن تكون معنى، لكنه معنى كاسح، ينحت مفردات من قعر اللغات، وشيئا فشيئا نحس أننا أمام مدونة للاستعمال والتواصل والتعبير قد نستخدم إزاءها كل المجازات المنتقاة لتبجيل الكلام، فنتحدث عن جسد يقول الشعر، وآخر بتفاصيل درامية، وثالث يشبه منحوتة إغريقية، ورابع كأنه يطفر من شاشة سينما، وخامس له رهبة الأبيض والأسود، تماما مثلما اختارت ستيفاني ماير أن تكتب رواية “الجسد المضيف”، وكأنه معلول لعلة سابقة غير مرئية.

ومثلما وضع عبداللطيف اللعبي لكتلة الأعضاء الحسية طعما في مقام القضم حين عنون مجموعة شعرية غير عابرة بـ”فواكه الجسد”، ثمة دوما إيمان بأن لهذا الشيء الشهي والصادم، الناهض والمنهك بالعلل، الحي والساكن، معنى يخترق القواميس واللغات والأوقات والأمكنة، وأنه شيء مضاف إلى اللسان النابت في الوجه، لا يحتاج إلى النطق، لكنه يقول بلغات شتى، بالكمون والتأجج والذوبان والصلابة والهشاشة والكشف والحجب والإظهار والإضمار، فتنا فردوسية، وآيات تشبه اليباب.

لهذا كان تاريخ النحت سجلا لمسار المعنى الجسدي وقدرته على أن يكون بذاته ما ليس في ظاهره، فبات التاريخ متجاوزا لكتل الأعضاء العارية إلى محكيات عن الظاهر المرئي وغير المرئي، مثلما أن الموضة تاريخ لما يكشف ويحجب في ذلك الجسد، وما يليق وما لا يجوز في منظومة الأخلاق والعقيدة والذوق، ومهما تحولت الموضة ومهما تحول النحت الجسدي، فإنهما يبقيان متصلين بأسطورة أصل تحكي تراجيديا متواصلة لتداول الجسد في الحضارة والوعي والخطيئة والإثم والثواب، التي يكون فيها للحسي حظ وللمعنى حظوظ شتى، وما يتصل بهما معا من أدوات الثواب والعقاب الجهنمية والفردوسية المتراسلة إلى غير حد. وبناء عليه أجدني دوما متعاطفا ومشفقا، في آن، على كل محاولة فنية وسردية جديدة لمحاورة الجسد، تبدو لي شبيهة باستمرار بأسطورة البدء الآدمية حيث الجسد جبلة الوجود والتناسخ وتأثيل الأثر.

تواردت كل هذه الأفكار بذهني وأنا أعيد التأمل في الشكل الاختراقي الذي اتخذه سروال الجينز المفتوق (المخترق بالتمزقات)، الحاجب والكاشف، المنتقي لمساحات العري، والمرهف الشعور، بدا لي في لحظة ما، بعد تفاقم اختياراته، شبيها بقصيدة نثر مخترقة بإيقاع تفعيلي صاعق، أو برواية تجهد نفسها في مدارات مسار شخصي، ليس رداء في التعريف ولا حجابا ولا غطاءً، هو الواصف والكاشف والحاجب والمخاتل والمرائي إلى أبعد حد، وابن وقته الحداثي، والعقلاني في اقتصاد إمكان الاعتراف ومكاشفة البصر والبصيرة، تسجيلي دون النزول إلى إسفاف القاع، وروائي دون شاعرية مرهقة، وفي النهاية رومنسي بنكهة تغري بالتأمل.

15