لستُ مكترثاً لزعلكم

السبت 2014/04/26

سيكون مكتوبيَ الليلةَ القائمة على أوّلها والذي قد يصلُ تاليها، مستلّاً من باب الاجترار أو التكرار. يحصل هذا الأمر كلّ سنة مرّة وربما أربع مرات. يتحطّم قلبي وينشفُ مخّي والمُخَيخ، وتركبني رغبة ملحاحة كي أضرب الأرض المكوّرة، ركلة فوق تمام مؤخرتها.

سأكتبُ ما لا ينفع الناس، لكنّ طشّة الحروف هذه ستداوي روحي. سأسبُّ وأشتمُ وأعيطُ بوجوه النَقَدة المتمادين الذين قالوا إنّ هذا الفتى الدرويش إنما هو من صنف الكتَبة الساخرين الهازئين.

هذا قولٌ عاسفٌ ينام على حيلةٍ نقدية مُتلفة وتخلو من أيّ أثر للرحمة. هم وأنتم تشتهون أن أكتب لكم حواتيتَ وحكايات وطرفاً مضحكة، لكنكم لا تدرون أنّ قلبي قد شاب قبل رأسي.

جسدي المهزول يتعرّض إلى تعذيبٍ مُمنهج بسبب شاشة أنباء المساء والعواجل. أضحّكُكم أياماً ولياليَ وأكاد في بعضها أُنصت لقهقهاتكم فأفرح وأمرح، لكنني الليلة انتويتُ أن أسخّمَ نهاراتكم وأُلطم مساءاتكم وأشوّفكم النجوم ساعة الشمس على تمامها تقفُ.

معضلتي الآن هي مثل طلقٍ معسور، وحاجتي قوية كي أبنيَ مكتوباً جرائدياً مخلوقاً من أربعمئة كلمة أو ما حولها. سأحتاج حتى إلى ألف المئة التي تُكتب ولا تُقرأ. سأتساخف وأكتب أنّ في بطن بريدي كومة رسائل من نسوان جميلات ومجروحات. واحدة نفقَ بعلها والعيال بقصفة كيمياوية في ثنية من خواصر الشام. الثانية أفريقية مات زوجها بطلقة انقلابية مباغتة. الثالثة شاهقة ومرصوصة وعاطرة وبمقدور وجهها المشعّ أن يطيّح حظّ كتيبة مدرعة من جندٍ ميامين أبناء ميمونات.

كلّهن يعرضن عليَّ خزائن من ذهب ودولار وفضة وكنوز مكتنزة تركها الأزواج الميتون، وما عليَّ سوى معاونتهنّ بإخراج تلك الخزائن من مدافنها، ومن ثمّ وقوع زيجة مبروكة على سنّة الرب ورسلهِ، خاصة أن النسوان المكلومات مغرمات بشواربي ولحيتي وخشمي الأفنص وسبّابتي، والمنطقة المتروكة المهملة بين الحاجب والغمض، إذ أسرّتني واحدةٌ منهنَّ واسمها تيريزا بنت أم تيريز، بأنَّ إغماضتي الساحرة قد ذكّرتها ببيت شعرٍ عظيم أنتجهُ الشاعر المظلوم ابن معصوم المدنيّ، وزادتْ أنّ بعلها المحبوب ستيوارت الديلميّ، لا تأخذه النومة العميقة الهانئة، إلّا بعد أن يسمع خاشعاً تالفاً من قوة قارورة عرق، هذا البيت المذهل وقد عاط به عيطة ذئبٍ بوحشة، المغني الرافدينيّ الفذّ يوسف عمر، وأجلسه مقعد طربٍ فوق عرش النوى البديع. يقول ابن معصوم في مطلع معلقتهِ التحفة : أمّا الصبوحُ فإنّهُ فرضُ فإلامَ يكحلُ جفنكَ الغمضُ.

لكنّ المغني العباسيّ الشغوف أبا يعقوب، يتصرّفُ بسيطاً بفاتحة عجز البيت، فيبدع ويبتدع ولا يثلم ، ويخفف ويتخفف ولا يثقل. انتهى المكتوب الآن. أنا سعيد بما لم أكن عليه قبل ثلاث ساعات. لستُ معنيّاً بزعلكم.

24