لست الأثر يا إخوتي لأكون وجه الريح

الاثنين 2014/02/17
عبدالله المحسن صوت شعري سعودي يغرد في سرب حر

القطيف - السعودية - يقف الجيل الشعري السعودي الجديد الذي فتح نافذة الكتابة في وجه الصحراء. “العرب” التقت بثلاثة شعراء سعوديين يمثّلون هذا الجيل، ويراهن على أصواتهم الشعرية –رغم اختلافها- العديد من الشعراء والنقّاد، ووقفت معهم حول سؤال الشعر واشتغالاته في زمن سقوط النخبة، وبروز النجوم الثقافية الجديدة بعيداً عن جلاليب آبائهم الذين رفضوا –من وقت مبكرٍ- العيش فيها. بين حين وحين، وبين جيل أدبي وآخر تتشكّل الرؤى وتنضج المفاهيم بناءً على الأسئلة الوجودية التي تحيط بهم، فلم يعد النص الجديد بعد الربيع العربي هو ذلك النص الذي كان قبله، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي والشخصي جداً. فالخيبة التي يعيشها الشاعر السعودي الشاب في عصر “الحريات” الوهمية جعلته يرتدّ على ذاته متوسّلا باللغة/ الشعر، محاولاً الخروج من ربقة الخناق السياسي والاجتماعي لفضاء أكثر رحابة يوجده الشعر، وتتيحه الكتابة.

مهدي المطوع: الهامش الضيق
هذه التعرجات من أين؟

لست في حاجة للظلفدائماً يشدك صداع رطب.

ذهب العش إذاً وبقي الطائربقيت الحيرة تقشر فشلها وحينما غادرت بدأ شرره يحدق في شقوق الهامش الضيق.

بضاعة الأخطاء

ابتدأ أحمد حسن القطان المداخلات بفلسفة قاسية حول الشعر حين صلب ذات الشاعر الذي لم يجده مختلفاً في أخطائه عن أسلافه، ولاحقيه، وقال: « الشعراء “بضاعة الأخطاء”، وتجّارها في نفس الوقت. الأخطاء التي يرثونها، والأخطاء التي يورّثوها. ولنا إذن أن ندرك لماذا يطالعنا الجيل الشعري الجديد اليوم بما يجعلنا نقف طويلاً لقراءته، ودراسته. لا أتكلم عن جودة النصوص داخلياً، أو أناقتها خارجياً، بقدر ما ألمّح إلى هذا الصراخ الصامت والحانق، الذي نسمعه يتململ داخل أقبيتها، ويهرول بين ممراتها. صراخ أمام تلك الأخطاء التي أصبحت أثقل اليوم، وأكثر إحراجاً، بين الديني، والاجتماعي، والسياسي”.

وأضاف القطان: «هناك شيء ناقص، دائماً. هناك شيء يريد أن يكتمل. ولكنه لا يفعل. الشعراء، اليوم، أصدقاء السأم، والسؤال، وجلّاس الخيبات المتتالية. سأم وجودي حقيقي أنتجته مادّة الحاضر، التي تصطدم بفراغ الماضي المجوّف. والنتيجة هنا، هي سأم مضاعف سأم مضاعف وخلّاق”.

الأمر نفسه استشعره عبدالله المحسن، ولكن بخطاب أكثر تفاؤلاً حين اعتبر الكبت الذي وجده كشاعر سعودي في مجتمعه جعله خائفاً من البدايات حيث كان هناك الكثير من التحفظ لديه حيال شعراء قصيدة التفعيلة والعمود. يقول المحسن «قصيدة النثر كانت الباب المفتوح لي ما بين شعراء يقدسون شعر العمود والتفعيلة لأنني لا أحتاج إلى أحد ليساعدني فيه، وقد كوّنت ذاتي منه”.

وأضاف مبجّلا في قصيدة النثر التي فتحت له أبواب الحياة قائلاً: «من باب قصيدة النثر فتحت أبواب كثيرة لدي جعلتني أخرج من مجتمعي، ومنطقتي، وحتى دولتي إلى أبعاد أخرى، وإلى كل ما يجري في العالم, وقد كوّن ذلك أيضاً كثيراً من التمرد والخروج من الحواجز الوهمية الصنمية –هنا- نتيجة الكبت الذي كنا فيه طويلاً”. ثم اختتم المحسن مداخلته للصحيفة مشيراً لانعكاس حالة الخيبة العربية على الشعراء، يقول: «العالم العربي –الآن- لا يعود بك إلى ذاكرة بل يكوّن هو بذاته ذاكرة جديدة من الشناعة والفقر والجوع وهذا ما قد ينعكس على الشعراء الشباب في هذه المرحلة.

أحمد حسن القطان: مغامرتك الوحيدة
أنتَ،أيها الأثر الذي ليس لشيء يا ابن لعنات الباب

الذي لا يُغلق أبداً وبذرة النوافذ المتدلية من السواد أنت وقلبك الذي لم ينبح طيلة وجوده.

شعر الاختلاف

من الواضح أنهم كانوا متفقين في هواجسهم، وكأنّ القلق الذي يتقاسمهم كان واحداً. وهذه النتيجة كانت واضحة في مداخلة مهدي المطوّع حين كسّر بدوره تاريخية “الأب الشعري” قائلاً: “في هذا الوقت لم يعد يوجد انشغال بفكرة الآباء والأبناء في الكتابة كما في السابق. الآن يوجد تخفف من هذا الثقل وغيره من القيود. إذا أصبح الانشغال بالاختلاف في التجربة والإبداع، والبحث الجاد عن مناطق مختلفة للشعر وتجاوزها كذلك”. وأكّد المطوّع على ثقته بمقدرة الجيل الشعري الجديد على الوصول لحلمه ومبتغاه رغم كل العقبات التي تترصّده من حماة النسق الثقافي الكلاسيكي، مضيفاً: “هؤلاء الشعراء –رغم التجاهل- ليسوا في عزلة. هذا التجاهل هو الدافع للاستمرار والإصرار على الإبداع. وهذا الجيل في الكتابة مازال في حاجة للتأمل والتخفف مما يثقله حتى من اللغة. أي أن يختلق لغته وما يميزه عما يكتب بأي مكان آخر”. وأضاف: “هذا الجيل هو جيل امتزاج التجارب ومنابع الكتابة والتجاوز الدائم للمتحقق.

الآن الجوهر قد يكون هو اليومي. ومن مميزات هذه الكتابة أنها أصبحت دون اتجاه معين تسير فيه. لقد أصبحت كل تجربة مختلفة، لها ما يميزها عن الأخرى، وهذا بالفعل ما يحتاجه الشعر في هذه المرحلة”.

14