"لسمر تونسي" عرض يبعث الروح في موسيقى السطمبالي

موسيقى الزنوج تؤرخ لمعاناة الأفريقي، فمن البلوز إلى الجاز بدلتا المسيسبي، والريغي في جزر الكاريبي، والتانغو التي سكنت شوارع الأرجنتين، وصولا إلى الكناوة في المغرب والسطمبالي في تونس؛ كلها موسيقى التطهير الروحي من قرقعة سلاسل العبودية التي رافقت رحلة الأفارقة في رحلتهم الطويلة.
السبت 2016/05/21
آلة القمبري بآهاتها العميقة

تونس – في عمل فرجوي أطلق عليه اسم “سطمبالينا دونغا” أو “لسمر تونسي”، أعاد المخرج محمد منير العرقي إحياء موسيقى السطمبالي رفقة الشيخ الشاذلي البيدالي، وهو عرض موسيقي غنائي راقص، يكتسي طابعا احتفاليا وروحيا، ويجسد العادات والتقاليد التي صاحبت هذا الموروث.

ويسود الاعتقاد بأن السطمبالي هو نوع من الموسيقى الفلكلورية التي تقتصر على تنشيط الشوارع في التظاهرات الثقافية بالمدن، إلا أن هذه الموسيقى الاحتفالية في ظاهرها تروي في باطنها قصصا ومعاناة لفئة بشرية، طالما كبلت أرجلها السلاسل والأصفاد، وما هذا النمط الموسيقي إلا محاكاة لقرقعة سلاسل العبودية ورنين الأصفاد وطرق الحديد.

ويروي الشيخ الشاذلي البيدالي أو ما يصطلح على تسميته “اليينا” (قائد المجموعة الموسيقية) بعضا من التفاصيل حول نشأة السطمبالي في تونس، قائلا “إن المؤرخين اختلفوا في أصل هذا النمط الموسيقي، فمنهم من ينسبه إلى الآغا السطمبولي، في حين يرجعه أغلب الباحثين في التراث الموسيقي إلى أصوله الأفريقية واقترانه بتجارة الرقيق”.

ويقيم البيدالي الدليل على الأصول الأفريقية للسطمبالي، بوجود أنماط موسيقية أخرى مشابهة كالديوان في الجزائر والكناوة في المغرب.

ويضيف “اليينا” الشاذلي البيدالي أن أواسط القرن التاسع عشر، شكلت منعرجا إيجابيا في حياة الأفارقة القادمين إلى تونس، حيث مثل إلغاء بيع الرق بالبلاد التونسية سنة 1846 في عهد أحمد باي، بداية لاستقرار ذوي البشرة السوداء بتونس، وازدهار موسيقى السطمبالي التي اتخذت أشكالا روحية وطقوسا صوفية في ما بعد، امتزجت فيها الإيقاعات الأفريقية بالهوية التونسية وخلقت نفسا موسيقيا فريدا ظل لعقود الطابع الاحتفالي لسكان البلاد في حفلات الزفاف وختان الأطفال وتقاليد الأفراح مثل “الزردة” وغيرها.

موسيقى السطمبالي بقيت في تونس مرتبطة بالطابع الفلكلوري، حيث تقتصر على تنشيط الشوارع وكرنفالات التظاهرات الثقافية الصغرى

لقب “اليينا” تتناقله الأجيال وفق ما أوضح الشاذلي البيدالي لوكالة تونس أفريقيا للأنباء (وات)، لافتا إلى أن موسيقى السطمبالي تقوم على التوريث، وقد شبه في حديثه هذا التوريث بالطقوس التي يتبعها الملوك في نقل الحكم لأبنائهم.

وتشكل القمبري والشقاشق والطبل أهم الآلات الموسيقية المؤثثة لعروض السطمبالي، وهي آلات تصدر نغمات مختلفة لاختلاف مواد صنعها، فالقمبري آلة وترية وإيقاعية يختص “اليينا” في العزف عليها، أما الشقاشق فهي عبارة عن صفائح من معدن النحاس وتحاكي في نغماتها أصوات الأغلال وطرقات الحديد التي كبلت العبيد منذ قرون في رحلتهم نحو شمال أفريقيا. وينشد فريق السطمبالي أغاني تتضمن كلمات غير مفهومة يسمونها بـ”العجمي”، وكثيرا ما كانت هذه الموسيقى تؤدي وظيفة علاجية روحية بالأساس، حسب البيدالي، إذ يعتقد البعض بأن الإيقاعات الموسيقية تمنح المريض أو ما يسمى “المسكون بالأرواح”، رغبة في الرقص حد الانتشاء، لتتدخل على إثرها “العريفة” وتشخص حالة المريض.

وينفي البيدالي أن تكون للسطمبالي صلة بطقوس السحر والشعوذة، مشددا على أنها موسيقى احتفالية تحمل آهات العبيد وعذاباتهم وآلامهم. وإلى جانب “العجمي” تنشد مجموعة السطمبالي أذكارا ونوبات موسيقية باللغة العربية تتضمن مدائح للأنبياء والأولياء الصالحين، وتكون “الصلاة على النبي” بداية هذه الأذكار.

أما عن بقية النوبات باللغة العربية، فقد ذكر منها البيدالي نوبة “سيدي منصور” و”سيدي سعد” و”سيدي عبدالقادر” و”للا ماليكا” وهي نوبات يذكرون فيها بمناقب بعض الاولياء الصالحين وبركاتهم.

ورغم العمق التاريخي والثراء المرجعي لموسيقى السطمبالي، إلا أنها بقيت في تونس مرتبطة بالطابع الفلكلوري، حيث تقتصر على تنشيط الشوارع وكرنفالات التظاهرات الثقافية الصغرى، وفق ما ذكره البيدالي، بعد أن عرف هذا النمط الموسيقي أوجه في بداية الثمانينات وسجل حضوره في المناسبات الاحتفالية والدينية الكبرى، وحتى داخل مقامات الأولياء الصالحين، إلا أن هذا النمط الموسيقي اليوم مهدد بالاندثار، مما يقتضي مشروعا جديا لإعادة إحيائه، نظرا لطابعه التراثي التقليدي.

موسيقى السطمبالي ولدت من رحم معاناة العبيد، وقد لحنت لا لتروي تفاصيل هذه المعاناة بأسلوب فني احتفالي في ظاهره فحسب، وإنما أيضا لتؤرخ لهذه المعاناة

وعلى غرار البيدالي، نفى مخرج عرض “لسمر تونسي”، ما يروج من شائعات تربط هذا الموروث الموسيقي بالسحر والشعوذة، معتبرا أن السطمبالي من “موروثنا الموسيقي وله طابع احتفالي لدى التونسيين شأنه شأن الفن الشعبي المنبثق من آلات المزود والزكرة والقصبة والبندير والطبل”.

وأكد العرقي، أن موسيقى السطمبالي ولدت من رحم معاناة العبيد، وقد لحنت لا لتروي تفاصيل هذه المعاناة بأسلوب فني احتفالي في ظاهره فحسب، وإنما أيضا لتؤرخ لهذه المعاناة شأنها في ذلك شأن موسيقى الكناوة بالمغرب والديوان بالجزائر والبلوز والريغي والتانغو بالأرجنتين.

ويقول العرقي إن اختيار “لسمر تونسي” عنوانا لهذا العمل الفرجوى يعود إلى منح الأقليات في تونس حق ممارسة العمل الفني من ناحية، وحماية السطمبالي من الاندثار باعتباره مدونة موسيقية ثرية من ناحية أخرى. وترافق إيقاعات السطمبالي وألحانه، رقصات أفريقية خالصة لرجل مكسو بقميص موشح بالأصداف البحرية وهياكل عظمية لحيوانات مفترسة، ويضع فوق رأسه جمجمة طير أو ما شابه، ولعل هذه العناصر لها دلالات ومقاصد عديدة، فالأصداف البحرية تعني عالم البحار ومشقة الرحلة نحو دول القارة الأميركية، أما العظام فتعني الأرض القاحلة وندرة المياه وانعدام الحياة.

وتعتبر الفنانة جميلة كامارا، وهي إحدى مصممات رقصات العرض ، أن الحركات الجسدية التعبيرية، هي سمات للرقص والفرح لدى الأفارقة، وهي “موروث تقليدي يحرص الزنوج على إحيائه، اعتقادا منهم بأن الرقص يجلب الحظ السعيد، وينسيهم معاناة رحلاتهم زمن الاستعباد”.

20