لسنا ضحايا بل فاشلون

الاثنين 2017/02/06

على إثر صعود دونالد ترامب، الرّئيس الأميركي رقم الـ45، وإصداره لقانون يمنع رعايا سبع دول ذات غالبية مسلمة من دخول الأراضي الأميركية، استغل البعض الفرصة، لكي يعاود ترديد الأسطوانة المشروخة نفسها: المسلمون مستهدفون؛ المسلمون ضحايا عالم يعادي الإسلام؛ العالم يخاف من الإسلام؛ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً؛ واإسلاماه! ونحو ذلك من ترانيم بكائية تستهوي الكثيرين بمناسبة أو دون مناسبة، وتنتهي في آخر المطاف إلى تأجيج مشاعر المظلومية لدى عموم المسلمين، ومن ثمة الرّغبة في الثأر والانتقام، موصولة بأدعية الشماتة والتشفي، على منوال “اللهم جمد الدم في عروقهم، وسلط عليهم من لا يرحمهم، واجعلهم يتمنّون الموت فلا يجدونه.. اللهم يتم أولادهم، ورمل نساءهم..” وما إلى ذلك من أدعية تعكس، بلغة الفلسفة المعاصرة، أخلاق العبيد.

وبالمناسبة، أخذت بعض الأقلام التهييجية تدبج المقالات التي تؤجج الانفعالات، وتبعث الحمية الدينية لدى العوام، زاعمة بأن عنصرية ترامب المفترضة ما هي إلا امتداد للحروب الصليبية، وبأن معاداته المفترضة للأجانب هي من قبيل “لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى”، وأن مظاهر الحداثة في مجملها مجرّد غزو غربي للعالم الإسلامي بأقنعة العلم والمنفعة والجمال، وأن كل الصراعات في آخر التحليل، دولية كانت أم محلية، تحمل خلفية دينية أو مذهبية. هكذا بدأت تعلو الأصوات التي ترى أنّ مبلغ هَمِّ الغرب هو التآمر الصليبي على دار الإسلام.

ثمة قاعدة بسيطة تقول: لا يمكن أن يتآمر عليك الآخرون إذا كنت تعيش في القعر. لكن، ههنا يزعم دعاة نظرية المؤامرة بأننا لا نسكن في القعر إلا لأنّ قوى “الاستكبار العالمي” تمنعنا بقوة القهر من التقدم والارتقاء. بهذا المعنى يصبح التقدم عملا قتاليا ضدّ من يمنعوننا من التقدم، ويصبح الجهاد فريضة أولى لغاية تحقيق نهضة المسلمين. وبهذا النحو، تنتهي بعض التصورات الخاطئة إلى نتائج كارثية. هنا وجب التوقف لبعض الوقت قصد التأمل والنظر. قبل ذلك، سيكون من المجدي التذكير ابتداء بأن “الاستكبار العالمي” هو المفهوم الذي أضافته الأيديولوجيا الخمينية إلى منظومة الإسلام السياسي، وقد كانت لتلك الإضافة بالغ الأثر.

دعنا نحاول تبديد الأوهام، ولنبدأ بطرح السؤال البسيط: ما الذي يفعله المستكبرون حين يتكالبون على مستضعف خائفين منه، ثم يهزمونه هزيمة نكراء؟ ماذا يفعلون؟ بلا شك يجردونه من أسلحته، أي من قدراته القتالية. هذا أول شيء يفعلونه بلا تردد. وهو ما فعله الحلفاء مع ألمانيا عقب هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وهو أيضا ما فعلته أميركا مع اليابان بعد هزيمتها جراء استعمال القنبلة الذرية، في إحدى أكبر جرائم التاريخ. فرض “المنتصرون” على كل من ألمانيا واليابان شروطا جعلتهما في الأخير من بين أضعف جيوش العالم. هذه هي النتيجة المنطقية التي يحصل عليها من يسحقك، ثم يخاف من أن تعاود امتلاك القوة مجددا. دعنا نعترف بأن الأمر نفسه فعلوه مع العراق بعد هزيمته في 2003، إذ أضعفوا جيشه وجردوه من أسلحته.

لكن، لم يكن العراق، لكي لا ننسى، محكوما بالإسلام السياسي، بل كان محكوما بأيديولوجيا بعثية علمانية حاربها الإسلاميون أنفسهم بشراسة قبل أن يحاربها غيرهم، ثم إنه لم يتورع عن غزو بلد “مسلم” بدوره، الكويت. وكان العدوان الأميركي على العراق، لكي لا نخلط الأوراق، ينسجم مع أيديولوجيا المحافظين الجدد المعادية للعلمانية لدواع فلسفية، وهذا حديث آخر. المهم الآن أن العراق كان استثناء فريدا في ظروف فريدة أيضا. عدا ذلك فإن دول العالم الإسلامي تحتل اليوم مراتب متقدمة في الإنفاق العسكري. والسؤال الآن، هل يُعقل أن يتآمر “الاستكبار العالمي” على المسلمين ويخاف من الإسلام، وفي الوقت نفسه يسمح للعالم الإسلامي، بأن يتبوأ مراتب متقدمة في الترتيب العالمي من حيث القوة العسكرية، ومن حيث الإنفاق العسكري؟

عدا ذلك، دعنا نصرح بأنّ عبارة الخوف من الإسلام، لا يعقل أن تكون مبعث أي شعور بالفخر، اللهم إذا كنا في الدرك الأسفل من الغباء العاطفي. وإلاّ فهل ثمة من دين يستحق الاحترام حين يكون باعثا على الخوف والرعب؟ عموما، حتى نتجنّب اللغة الإنشائية، دعنا نستعن ببعض المعطيات الرقمية:

ضمن لائحة الدول الخمس عشرة صاحبة أقوى الجيوش في العالم، ثمة اليوم حوالي ست دول من العالم الإسلامي، هي على التوالي (باكستان، إيران، تركيا، مصر، السعودية، إندونيسيا). وضمن لوائح الدول الأكثر إنفاقا عسكريا، وفق قائمة المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، وقائمة معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، فضلا عن لائحة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، هناك في المراتب الخمس عشرة الأولى حوالي أربع دول من العالم الإسلامي.

في المقابل، وحتى تكتمل الصورة، لننظر إلى لائحة الدول الخمس عشرة الأكثر إنفاقا على البحث العلمي وفق لوائح اليونسكو. كم عدد دول العالم الإسلامي ضمنها؟ الإجابة: صفر. ضمن أفضل مئة جامعة في العالم لا توجد أي جامعة من جامعات العالم الإسلامي. ما هي الدولة الأولى في العالم من حيث الإنفاق على البحث العلمي؟ قد لا نحب سماع الحقيقة لكنها الحقيقة: إسرائيل.

لربما يمثل المسلمون ربع سكان الأرض، غير أنهم كغثاء السيل، وفق نبوءة المتن الحديثي. هم الأكثر مساهمة في التكاثر السكاني، بيد أن مساهمتهم في التطور العلمي والثقافي والتقني والحضاري تبقى أقل من واحد في المئة. مجتمعاتهم هي الأعلى في نسبة الجهل والأمية. أما جامعاتهم فلا توفر العلوم الحديثة إلا في مستويات أقل من الحد الأدنى من الجودة المطلوبة. وضمن العلوم لا يتم تدريس تاريخ العلوم على وجه الإطلاق، رغم أنه مفتاح بناء شخصية العالِم، ذلك العالِم الذي يطور العلم وينتج النظريات العلمية.

هنا مكمن النقص الذي ينتهي إلى إنتاج باحثين معاقين، جُبلت نفوسهم على عبارات من قبيل “كل بدعة ضلالة”، و”لقد سبقْنا الغرب إلى هذا”، و”هذا مذكور في القرآن”. ومباشرة بعد التخرج يترك بعضهم تخصصاته العلمية التي صرفت عليه الدولة فيها الملايين لكي يتفرغ للدعوة والتبليغ، وما شابه ذلك من مسائل يفترض أن لها أهل الاختصاص الأكاديمي بدورها. يحدث هذا التسيب تحت عنوان مضلل، الإسلام في خطر. وأمام هول النكوص تعاني معظم الدول الإسلامية من الجبن أمام شيوخ الفتنة، ولا تتنمر إلا على مثقفي الحداثة.

دعنا نطرح السؤال بلغة أوضح: هل يعقل أن يساعدنا “الاستكبار العالمي” على الإنفاق بسخاء على التسلح العسكري، وبناء قدرات عسكرية متقدمة، بالتكوينات الموسمية والتدريبات المشتركة وصفقات التسلح، بل يسمح لباكستان بامتلاك قنبلة نووية، ولعله ساعدها في ذلك المبتغى لغاية تحقيق بعض التوازن مع الهند، وفي الوقت نفسه يمنع العالم الإسلامي من الإنفاق على ما يتعلق بدراسة النباتات والتربة والهواء والمعمار والموسيقى واللغات والفلسفة، وحتى محو الأمية؟ فهل في صالح “عدوك” أن يصنع منك إنساناً جاهلا وقويا في الآن نفسه؟

نحن أمام مفارقة بادية للعيان. وحين نصل إلى المفارقة فمعناه أننا في حاجة إلى مراجعة المنطلق. ثمة خيار أكثر معقولية، أن نفترض وجود تصور أكثر معقولية، ما هو؟ في كل الأحوال، يبقى تدخل العوامل الخارجية أقل تأثيرا من تدخل العوامل الداخلية. من ثمة، بدل أن نفترض أننا ضحايا يجدر بنا أن نفترض أننا فاشلون.

إن الزّعم بأننا ضحايا مخطط جهنمي دبّرته أياد شيطانية في الخفاء، هو مجرّد تعبير عن هواجس تعود إلى المراحل البدائية من تاريخ البشرية، يوم كان أجدادنا البدائيون يظنّون أنّ الأرواح الشريرة تراقبهم عن بُعد وتتآمر عليهم في الخفاء، وقد تتلبس أحيانا بآدميين يعيشون بينهم. بالجملة، يتعلق الأمر ببقايا الرؤية السحرية للعالم.

بالعودة إلى قانون ترامب، يبقى هناك سؤال فقهي لمن اختاروا مقاومة القانون عن طريق الصلاة الجماعية في المطارات: إذا كان إجراء ترامب بمنع هجرة مسلمي بعض الدول الإسلامية إلى أميركا، يعني أنه يخوض حربا شرسة على الإسلام، كما يظن البعض، فهل يجوز شرعا أن يتمسك المسلم بالهجرة إلى بلد غير مسلم فضلا عن أنه يحارب الإسلام؟

نستطيع أن ننتقد ترامب انطلاقا من معايير حقوق الإنسان والحريات المدنية، لكن، انطلاقا من معايير الدفاع عن الإسلام فنحن لن نمنحه سوى الامتياز. علينا أن نصغي إلى إحدى أعظم وصايا المفكر الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد، حين قال: لن تنتصر الضحية قبل أن تحرز التفوق الأخلاقي على الجلاد. لعلها حكمة بليغة من مثقف كان الأقدر على نقد مفاهيم الغرب بعمق عقلاني وبخلفية حداثية، وبمعزل عن الغوغائيات الانفعالية.

قلنا سابقا، لا يمكن للآخرين أن يتآمروا عليك حين تكون في القعر. لكن يجب أن نضيف قولا آخر، حين تظل في القعر فلا تظنن أن كل ما يسقط عليك يستهدفك أنت بالذات.

كاتب مغربي

8