"لسه فاكر".. أربع لوحات مسرحية يرويها سجين مظلوم

عرض ساخر يناقش انهيار العقارات والقيم الأخلاقية والختان والقضية الفلسطينية.
الثلاثاء 2021/05/11
شخصيات تتخبط في شباك الغرائز

الكثير من المسرحيين يحاولون تحميل أعمالهم برسائل فكرية واجتماعية وأيضا بقضايا سياسية مختلفة، ويقحم بعضهم نوعا من الكوميديا على عمله في محاولة لشد الجمهور. وتنويع القضايا والأساليب قد ينجح في أعمال ويجعلها متكاملة وقد يفشل في أخرى في أن يحقق  الانسيابية والتناسق.

تحمل المسرحية المصرية “لسه فاكر” المعروضة على مسرح ليسيه الحرية بالإسكندرية ضمن مبادرة المؤلف مصري التي تتبناها وزارة الثقافة الكثير من معالم المسرح الكوميدي الساخر، وتنطوي على رسائل متدفقة تدعو للتفكير عبر لوحات فنية تناقش العديد من القضايا التي أثارت جدلا في المجتمع المصري.

ينطلق العرض بظهور الراوي أحمد، ويلعب دوره الفنان محمد فاروق الذي يوجه حديثه إلى المتفرجين بقوله “لقد خرجت من السجن وسوف أسرد لكم حكايتي من البداية، ونتكلم في قضايا كثيرة تخص كل المصريين”.

لوحات متصلة منفصلة

بطل المسرحية خرج بعد 20 عاما قضاها في السجن ظلما لتبدأ من خلاله لوحات مسرحية لكل منها قضيتها
بطل المسرحية خرج بعد 20 عاما قضاها في السجن ظلما لتبدأ من خلاله لوحات مسرحية لكل منها قضيتها

تبدأ المسرحية بخروج أحمد من السجن وعودته إلى منزله على خلفية موسيقى أغنية “لسه فاكر قلبي يديلك أمان” للفنانة أم كلثوم، وبعدها يقوم بتشغيل أغنية نجاة الصغيرة “يا اما براوه” للإيحاء بأن هذا الرجل من جيل الستينات الذي عاصر أغاني هذا الجيل من المطربات، ويطلق عليها في مصر أغاني زمن الفن الجميل.

لم يوفق المخرج سامح الحضري في وضع ديكور منزل الراوي أو بطل المسرحية في مكان بعيد عن الجمهور (أعلى المسرح)، حيث ألغى بذلك أولى قواعد فن المسرح في التفاعل والالتحام مع الجمهور.

ضاعت الكثير من تعبيرات الفنان في طريقها إلى المتفرجين الذين شعروا في مرات كثيرة بالملل من عدم سماعهم صوت الراوي بشكل جيد، وكان الأولى وضع ديكور الراوي في مكان قريب على يسار المسرح أسوة بديكور الممثلين الآخرين الذين يجسدون مشاهد ذكريات بطل المسرحية الموجود في مكان قريب جدا للمتفرجين.

تبرير الخطأ بخطأ أكبر يظهر جليا في الحوار الذي كتبه المؤلف محمد مرسي بين بنت الجيران وابن الجيران

خرج بطل المسرحية بعد 20 عاما قضاها في السجن ظلما وعلى وجهه ابتسامة رضا، وهي دلالة رمزية واضحة للشعب المصري الصبور، مقابل أن يبقى وطنه آمنا، بعدها يبدأ الراوي في سرد أربع لوحات متصلة منفصلة تبدأ منذ فترة دراسته وحتى عمله كمهندس ويجسدها 4 ممثلين وممثلات آخرين.

تعرض اللوحة الأولى قضية الهيمنة الذكورية واضطهاد الإناث عبر مشهد الحب العفوي الطفولي، وقبلة بريئة من أحمد لبنت الجيران يكون لها عقاب بعد أن شاهدهما والده، كذلك إجراء الختان للطفلة بمنتهى القسوة وانتهاك آدميتها وجسدها وبتر وتشويه أعضائها لمنعها من الحياة ودفن مشاعرها.

تجربة صادمة مؤلمة عاشتها بنت الجيران مثل الملايين من الفتيات اللاتي يتعرضن لجريمة الختان برغم تغليظ عقوبة هذا الجرم، وتتحول الطفلة إلى ركام محطم تكره حياتها وعندما يسألها شقيقها ماذا حدث لك فترد بألم وسخرية اسأل والدك.

نجح الفنان محمد فاروق في كسر جمود شخصية الراوي التي تطل علينا في الأفلام القديمة، وهو يروي بمنتهى القوة ليقدمها بسلاسة وعذوبة، محاولا التغلب على ابتعاد صوته وتعبيرات وجهه في موقعه النائي من المسرح ليقدم اللوحة الثانية.

وتلقي أزمة الدروس الخصوصية وانهيار التعليم بظلالها على الجيل القادم، وتحرش الفتيات أحيانا بالذكور، وهي محور اللوحة الثانية، فالأب المدرس المشغول بجمع المال عن طريق إعطاء الدروس الخصوصية يغفل عن رقابة ابنته ورعايتها، وهي في سن المراهقة فتنحرف وتسعى للتحرش بابن الجيران الذي يحبها، لكنها لا تعرف من الحب إلا إشباع رغباتها الفوارة عن طريق الجنس، وعندما يرفض ابن الجيران هذا المعنى للحب تتهمه بأنه ليس رجلا.

اللوحة الأولى من المسرحية تعرض قضية الهيمنة الذكورية واضطهاد الإناث

صديق السوء فكرة أخرى تظهر بقوة عندما يستعين ابن الجيران بفاسد الشلة “حودة اللول” الذي يتتلمذ على يديه لتعلم الانحراف في مشهد متقارب من مشهد تعلم الفنان الراحل علاء ولي الدين للانحراف على يد صديقه محمد سعد في الفيلم المصري “اللمبي”، لكن هذه المرة يذهب ابن الجيران مع “حودة اللول” لأحد بيوت البغاء، وهناك يلتقي بفتاة الليل التي لم تكن سوى بنت الجيران.

تبرير الخطأ بخطأ أكبر يظهر جليا في الحوار الذي كتبه المؤلف محمد مرسي بين بنت الجيران وابن الجيران. ففكرة التقاء المراهق مع زميلته في بيت البغاء ساذجة جدا، كما أن فكرة تحرش فتاة ليل بزميلها وهي محترفة للبغاء ضعيفة وغير مقنعة فنيا، ولا داعي لها إلا لاستجداء ضحكات الجمهور عبر الدغدغة الحسية التي تطل من مشاهد ابن الجيران في بيت صديقه المنحرف، فما حاجة فتاة ليل للتحرش بابن الجيران الغرير عديم الخبرة والتجربة.

استجداء الضحكات

Thumbnail

القضية الفلسطينية التي سكت عنها الكثيرون تحسب للمؤلف محمد مرسي في اللوحة الثالثة عبر قصة حب بين الطالب الجامعي وزميلته الفلسطينية “مريم” التي تسافر فجأة إلى فلسطين ليقرأ اسمها من بين شهداء المسجد الأقصى.

مسلسل انهيار العقارات الذي كان ظاهرة في الثمانينات من القرن الماضي بمصر أطل برأسه عبر اللوحة الثالثة لبطل الرواية الذي يعمل مهندسا ويرتبط بعلاقة حب بزميلته المهندسة الفقيرة فيتقدم لخطبتها.

اقتحم المؤلف والمخرج معا منطقة كوميديا الاتجار بالعاهات المحرمة فنيا، في مشهد تقدم العريس لخطيبته ووالدها مبتور القدمين في حادثة قطار، فيتواصل مشهد استجداء ضحكات المشاهدين مستغلا القدم المبتورة للأب.

ومن الحب ما قتل، فكرة أخرى تطل عندما أحب المهندس حبيبته الوصولية التي تبيع كل المبادئ من أجل المال وعندما حانت الفرصة استغنت عنه شخصيا عندما عملا في نفس الشركة التي تقوم بالغش والتدليس في مجال البناء وهو لا يعلم، فتنهار إحدى العقارات التي أنشأتها الشركة، فتتخلى عنه خطيبته وتتفق مع مدير الشركة على تلفيق التهمة لخطيبها ويتم القبض عليه ومحاكمته بالسجن 20 عاما.

جاءت إضاءة إبراهيم الفرن ملائمة للعرض تماما وخاصة في مشهد الراوي الذي يسرد قصة حياته وكيفية دخوله السجن.

الفنان محمد فاروق ينجح في كسر جمود شخصية الراوي التي تطل علينا في الأفلام القديمة

كما جاء ديكور المسرحية بسيطا جدا لاعتماد العرض على الفكرة أكثر حتى أن بعض المشاهد كانت بلا ديكور تقريبا. وأجادت بطلة العرض النجمة الشابة بسمة الهواري تقديم الشخصيات الأربع التي تحكي قصة بطل الرواية وقدمتها بإتقان، خاصة في دور الطفلة التي تتعرض للختان واقتربت كثيرا فيها من أداء الفنانة الراحلة سعاد حسني.

تقول الهواري لـ”العرب” إنها قامت بأداء دور أربع شخصيات مختلفة تماما في السن والشكل، الأولى لطفلة أحبت ابن الجيران فقبلها في خدها فكانت عقوبتها الختان، والثانية البنت المنحرفة التي تميل لأي ولد جنسيا، والثالثة وهي الأقرب لقلبها عندما قامت بدور الفتاة الفلسطينية “مريم”، وأخيرا دور المهندسة التي تدعي البراءة والشرف أمام خطيبها في حين أنها تعبد المال.

وتضيف أن الشخصيات الأربع استغرقت منها جهدا كبيرا، فلكل شخصية سمات مختلفة عن الأخرى من حيث طريقة الكلام والضحكة والاكسسورات التي ترتديها، ونجاحها في الدور رشحها لدور رئيسي في مسلسل “ولاد ناس” الذي عرض ضمن الموسم الرمضاني الحالي.

14