لصوص الحضارة لصوص الأرواح نزيف آثار العراق والشام

الأحد 2014/11/02
"إيوان كسرى" أوقف الخليفة عمر بن الخطّاب تهديمه لأنه كان سيستنزف طاقة المسلمين

كنّا نعتقد بأننا انتهينا من التعرّض مجدداً إلى قضايا بديهية لا تحتاج إلى أدلّة وبراهين بسبب وضوحها الساطع، خاصة وأننا، نحن العرب، قد وضعنا أقدامنا على عتبات الحداثة منذ قرن ونيف؛ وأعني بذلك قضيّة النحت والتصوير، أو الفنّ التشكيليّ عموماً.

فصرنا نرى البعض وهو يردد اليوم مقولات لا دليل منطقياً أو عقلياً أو حتّى تاريخياً على صحتها، ومنها أقوال تنسب إلى النبيّ محمّد مفادها أنّ كلّ مصوّر سيدخل النار، وسيُجعل له بكلّ صورة صوّرها نفسٌ فيعذبه في جهنّم. ومنها ما ينسب إلى عليّ بن أبي طالب بأنّ رسول الله أوصاه بأنّ لا يدع صورة إلا ويطمسها ولا قبراً مشرفاً إلا ويسويه. وتواترت أقوال مشابهة في أمهات الكتب الفقهية والتاريخية الإسلامية، دون أن تقدم دليلاً واحداً يسندها. ويدحض القرآن نفسه هذه الادعاءات فهو غنيّ بالصور الحسيّة والفنيّة، المعبِّر منها والتعليميّ والساخر حتّى.

ونكتفي في هذه السياق بكتاب سيّد قطب “التصوير الفنّي في القرآن” برهاناً على ذلك، إضافة إلى نهج الخلفاء الراشدين إبّان حكمهم، ومنهم علي بن أبي طالب نفسه. فعندما شيّد المسلمون قصراً للخليفة عليّ في مدينة الكوفة وأطلقوا عليه اسم “قصر الإمارة” رفض الإقامة فيه ووصفه بـ”قصر الخبل”، بيد أنّه لم يهدمه، إنما بنى إلى جانبه بيتاً صغيراً، تأكيداً على تواضعه وبساطة عيشه. وفي الواقع أنّ الشواهد التاريخية التي يحفل فيها العراق وسوريا ومصر كانت ماثلةً للعيان آنذاك ولم تتعرض للهدم والتخريب باستثناء “إيوان كسرى”، ملك الفرس، والذي أوقف الخليفة عمر بن الخطّاب تهديمه لأنه كان سيستنزف طاقة المسلمين مثلما يخبرنا الطبري في تاريخه. وما يهمنا في الأمر هو أنّ هذه الشواهد التاريخية والتي تمثل الذاكرة المجسّدة والشاخصة لمنطقتنا العربية تتعرض الآن إلى التدمير والنهب والبيع بالمزاد العلني.

وقد عرضت القناة الأولى في التلفزيون الألماني مؤخرا تقريراً مفصلاً عن التجارة بالآثار العراقية والسورية وشراء الأسلحة وتمويل العمليات الإرهابية في كلا البلدين. وتحدث التقرير عن أمراء الحرب الذين يسيطرون على مناطق واسعة وينقبون عن الآثار بوسائلهم الخاصة. ويشير التقرير إلى أنّ تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” استولى على جميع محتويات متحف “الرقة” في سوريا وأحرق جزءاً من آثار مدينة تدمر التاريخية.

الشواهد التاريخية التي تمثل الذاكرة المجسّدة لمنطقتنا العربية تتعرض الآن إلى التدمير والنهب

وتقدر منظمة اليونسكو الدولية حجم العائدات التي يجنيها تجار القطع الأثرية بثمانية مليارات دولار سنوياً. ويبدو أنّ هؤلاء التجّار وضعوا آليةً دقيقةً ومحكمةً ولا تثير الشبهات لترويج بضاعتهم “السريّة” وبيعها في المحلات التجارية العالمية. وتشحن هذه الأعمال الفنية المسروقة إلى أحد موانئ الخليج العربي، حيث تزوّد بأوراق ثبوتية وهي في سفن الشحن، ثمّ تصدر إلى أوروبا، وتزوّد بتصاريح مزوّرة تقدم لشرطة الجمارك الأوروبية التي لا تطلب عادةً بيانات عن مصدر هذه الآثار. وتّم على سبيل المثال بيع خوذة ساسانية نهبت من أحد المتاحف العراقية بستة عشر ألف دولار وعربة سورية تعود إلى خمسة آلاف عام بثلاثة آلاف دولار. ويحقق مزاد علني واحد في مدينة ميونخ الألمانية عائدات تصل إلى أكثر من مليونين ونصف المليون دولار في اليوم الواحد من بيع الآثار العراقية والسورية المسروقة من البلدين المنكوبين.

وعلّق موظف كبير في “المكتب الاتحادي الألماني للتحقيقات الجنائية” ساخراً بمرارة بأنّ الحكومة الألمانية تحرّص على الفحص الطبّي الدقيق لكلّ بيضة دجاجة وترقمها وتضع لها تاريخاً محدداً وتثبت مكان المزرعة التي جاءت منها البيضة أكثر من حرصها على الآثار التاريخية المهمّة وملاحقة لصوص الثقافة وعصابات تدمير الإرث الإنساني. أمّا الزبائن فهم أوروبيون على الأغلب، ومن الولايات المتحدة الأميركية خاصةً، لكنّ هناك شراةً عرباً أيضاً.

وتكمن المشكلة الكبرى في أنّ “منقّبي” الآثار غير الشرعيين لا يكتفون ببيع الآثار وحدها، إنما يشترون بعائداتها المالية أسلحةَ حديثة ويمولون حروبهم وعملياتهم الإرهابية في العراق وسوريا وغيرهما.

ويستغل مهربو الآثار وتجّارها الحروب الأهلية المستعرة في العالم العربي وتفكك المؤسسات الدولية المختصة وغياب الأجهزة الأمنية لتنفيذ خططهم الجهنمية الرامية إلى تدمير المنطقة وإفراغها من ذاكرتها وثروتها الحضارية.


كاتب من العراق مقيم في برلين

11