لصوص الفن

الاثنين 2015/02/02

أعرف رسامين لم يتوقفوا عن الرسم حتى بعد موتهم. لا أمزح بل أحاول أن أصل إلى الحقيقة مباشرة، وصولا إلى الوجه المأساوي للمزحة. اللبناني بول غراغوسيان، السوري فاتح المدرس، العراقي إسماعيل فتاح وآخرون ممن تركوا أثرا لافتا في السوق الفنية. هناك من استعار بالإكراه عيونهم ليرى من خلالها، وأيديهم ليرسم بها من غير أن يتمكن من الاستيلاء على خيالهم الذي أخذوه معهم.

غالبا ما يكون اللص فقير الخيال. مزورو الأعمال الفنية يعانون من هذا المرض الذي يفقدهم القدرة على الفصل بين الحقيقة والوهم. إنهم ضعيفو الخيال. يمكن للمزوّر أن يكون دقيقا في النقل، غير أن من العسير عليه أن لا يرتكب خطأ. هفوة صغيرة، غير مرئية من قبله ستفضح كذبته بطريقة لا تسرّ.

حين لا تكون اللوحة الأصلية متاحة بين يديه، يضطرّ المزوّر إلى الاستعانة بصورتها المطبوعة التي غالبا ما تخون الأصل. أحيانا يخطئ المزوّر في حجم العمل وقياساته، وغالبا ما يخطئ في الألوان والموادّ، وسمك وكثافة السطح واتجاه الضربة اللونية. المزوّر شخص يكذب كل الوقت، وهو لذلك يصدّق أن ما يقوم به هو نوع من الإبداع المجاور للإبداع الأصلي.

هناك اليوم في أسواق الفن لوحات لم يرسمها غراغوسيان، غير أنها مذيلة بتوقيعه. هي أعمال أصلية وجديدة، ليست منقولة، ولكنها منتحلة من خلال انتسابها إلى شخص لم يرسمها.

فما أن تُنسب اللوحة إلى الرسام اللبناني الراحل، حتى تفقد مصداقيتها وكرامتها. ولكن أليس في إمكان مَن يرسم كما لو أنه غراغوسيان، أن يرسم لوحاته الخاصة، ليذيّلها بتوقيعه ويعلن عن نفسه فنانا مبدعا؟

لقد حاول غير واحد من أولئك المزوّرين القيام بذلك، فكان الإخفاق من نصيبه. فالمزوّرون لم يتعلموا الرسم لأسباب أخلاقية، بل تعلموه لكي يكونوا لصوصا. اللص لن يكون رساما حتى لو امتلك موهبة رامبرنت، فهو لا يملك أخلاق الرسام، ولن يكون قادرا على تحمّل كلفة أن يكون رساما.


كاتب من العراق

16