لص يدخل قصرا فيكشف عن شبكة من الخيانات الزوجية

مسرح فكاهي يسحب الناس من المواجع التي يعيشونها ويقدم نقدا اجتماعيا لبعض المفاهيم السلبية بشكل ذكي.
الثلاثاء 2019/10/22
عرض ينتمي إلى مسرح "ديلارتي"

ما زالت مسرحيات الكاتب الإيطالي داريو فو خزانا هاما لمختلف الأشكال المسرحية التي تسعى إلى النقد الاجتماعي من خلال الكوميديا. ولعل الكوميديا من أهم الوسائل العلاجية، سواء للنفس أو للأفكار وكثيرة هي فوائد الكوميديا. ومن هنا يأتي الاهتمام الكبير بمسرحيات داريو فو التي توفر الكوميديا كما تطرح قضايا اجتماعية وسياسية غاية في الحساسية والأهمية.

 دمشق – في عصر النهضة في إيطاليا ولد فن مسرحي جديد سمي “ديلارتي” له مكونات خاصة به، يتقاطع فيها مع غيره من أشكال المسرح ويختلف في أخرى.

مسرح “ديلارتي” يقوم على فن الكوميديا المرتجلة، التي يكتفي المخرج فيها بوضع الإطار العام للنص المسرحي ثم يقوم الممثلون بارتجال المشاهد بحوارات متقاطعة حتى الوصول إلى الصيغة الثابتة والتي يمكن أن تتغير مع الزمن.

لذلك فإن هذا الشكل من المسرح يستلزم وجود ممثلين محترفين ولا مكان للهواة هنا، حيث يتطلب هذا الشكل المقدرة على الارتجال، ووجود طاقة فنية كبيرة، واحترافية ومخزونا معرفيا كبيرا.

مسرح ديلارتي

الكوميديا وسيلة علاجية
الكوميديا وسيلة علاجية 

شاع هذا الشكل من المسرح حتى نهايات القرن الثامن عشر، وانتشر من إيطاليا في دول عالمية كثيرة، كونه بسيط الشكل ويقدم في الشوارع أو المقاهي، ويقدم شخصيات محددة تعيد تقديم أدوار عديدة بذات الشخصية. والبعض منها قضى عمره الفني كله، عشرات السنين بتأدية شخصية واحدة، صارت نمطا شعبيا معروفا. وغالبا ما تكون قصص هذا الشكل من المسرح، مبنية على قصص حب أو فساد أخلاقي واجتماعي، لتبدأ دوامة الأحداث بالتوالد معها حتى نصل إلى ذروة الحدث الفكاهية.

ضمن هذا السياق، قدم الكاتب الايطالي الشهير داريو فو نصا مسرحيا حمل عنوانا أصليا “اللصوص لا يأتون للمضرة دائما”.

وداريو فو معروف بكتاباته الساخرة، ومشهور أيضا بسبب اتجاهاته اليسارية، حيث كان منتقدا للمؤسستين السياسية والدينية في إيطاليا. وهو الذي قدم في حياته الإبداعية التي استمرت طويلا مئات المسرحيات تعاطف بها مع قضايا العمال والحرفيين والبسطاء، منع من دخول أميركا طويلا وحاربه الفاتيكان بسبب مسرحية “السر الكوميدي” التي قدمها في ألف عرض مسرحي. نال عام 1997 جائزة نوبل للآداب.

في سوريا، بادر المسرحي سليمان شريبة لإعداد هذا النص “اللصوص لا يأتون للمضرة دائما” وقدمه ضمن نشاط المسرح القومي في اللاذقية بعنوان جديد هو “التباس”.

حقق عرض “التباس” حضورا كبيرا، حيث ارتاد جمهور المدينة صالة المسرح التي غصت بالمتابعين، وضمن خطة تبادل العروض بين المحافظات السورية، قدم العرض لمدة خمسة أيام على مسرح الحمراء، أعرق مسارح دمشق، لمدة خمسة أيام إضافية.

يقدم العرض المسرحي أنموذجا عن حياة الطبقة البرجوازية الإيطالية في فترة محددة، حيث يعتمد مبدأ السخرية في تقديم فكرة العرض. تبدأ الحكاية مع وجود لص مستلب من قبل زوجته التي تلاحقه باتصالاتها الهاتفية حتى للأماكن التي يقوم بسرقتها ويضطر لمسايرتها دائما.

وفي إحدى سرقاته لأحد القصور المترفة في المدينة، والذي من المفترض أن يكون فارغا، يفاجأ بدخول صاحب البيت ومعه عشيقته السرية، ليمضيا ليلة في القصر.

ويكشف صاحب القصر وعشيقته اللص. فيتّفقان معا على طمس الموضوع والتخلص من اللص، خشية انكشاف أمر المالك، كونه يشغل وظيفة مستشار وزير وهو شخصية معروفة ونافذة.

وبينما هم كذلك يقرع الباب لتدخل زوجة صاحب القصر، فلا يجد الأخير بدا من الزعم بأن هذا اللص هو صديق له وهذه زوجته، ويمشي الأمر على هذا الحال حتى يدخل صديق المالك، ملاحقا عشيقته، التي هي زوجة المالك، فيجدها هناك، ويجد زوجته أيضا التي هي عشيقة صديقه المالك، وبتدخل اللص وزوجته ينكشف أمر الجميع.

يعرف الأشخاص الأربعة أن علاقاتهم تقوم على الخيانة وأن كلا من الرجلين يصاحب زوجة صديقه، لكنهم مع ذلك يستمرون في الكذب والرياء، فيكملون سهرتهم بتبادل الأنخاب، ويسمون بأن ما حدث الليلة في ما بينهم بأنه مجرد حالة التباس. بينما يغادر اللص وزوجته المكان تماما بعد تأدية دورهما.

نقد اجتماعي

الكوميديا المرتجلة
الكوميديا المرتجلة

معنى عميق، يحمل دلالات فكرية واجتماعية حياتية، حملها العرض بفكرته البسيطة والساخرة التي قدم من خلالها نقدا لاذعا لفهم شريحة واسعة من الناس لطبيعة العلاقة الاجتماعية بين مكوناتها. وهو الأسلوب الذي اشتهر به داريو فو في جل نصوصه المسرحية.

 حفل العرض بلقطات كوميدية، وهو المهيأ أصلا لهذه الحالة، واعتمد مبدأ المفارقات التي رمي إليها من خلال حبكات درامية تصل إلى ذرى محددة. رغم أنه وصل أحيانا في بعض الجمل للمستوى الشعبي البسيط المعتمد على الألفاظ التي تخفي وراءها معانيَ إباحية.

مخرج العمل يصرح لـ“العرب” بأن الهدف من العرض هو “تقديم عرض مسرحي فكاهي يسحب الناس من المواجع التي يعيشونها، ويقدم نقدا اجتماعيا لبعض المفاهيم السلبية التي توجد في مجتمعاتنا، كالكذب والغش والخيانة، وهي محاولة لتكريس هذا النوع من الأعمال التي تتميز بقربها من الناس”.

حسين عباس، الفنان الشهير الذي اشتهر بتقديم شخصية الشرطي حسان في المسلسل التلفزيوني “ضيعة ضايعة” والذي قدم دور البطولة في العرض يقول “كان الهدف تقديم عرض مسرحي قريب من الناس، يقدم لهم البهجة والسرور، كمتنفس لكي يخرجوا من الضغوط التي ترافق حياتهم حاليا. اشتركنا كفريق عمل على قراءة عشرات النصوص حتى وصلنا لاختيار هذا النص، الذي وجدنا أنه يقدم الحالة التي نريد، ويحمل إسقاطات هامة على حياتنا المعاصرة. وعلى ما يبدو، التجربة كانت ناجحة ودليل ذلك تفاعل الجمهور معها في الأمكنة التي عرضت بها كونها قدمت ما يهمهم”.

ونذكر أن “التباس” عرض مسرحي من إنتاج المديرية العامة للمسارح والموسيقى، المسرح القومي في اللاذقية، إعداد وإخراج سليمان شريبة.

14