لطخة بيضاء على المرمر

الاثنين 2015/02/23

كما لو أنني لم أرها من قبل، السيدة إيزابيل دي بورسيل، حمرة شفتيها المكتنزتين وشالها الأسود على ثوب بنفسجي، نظرة عينيها المبتهجة تذهب جانبيا بمن ينظر إليها.

ما الذي كان يقع هناك، في الخارج؟ لن يكون السؤال ضروريا، فالابتسامة الساحرة تكفي لتعطيل الكلام وبث الروح في الإيحاء الذي يلوح بنضارته من خلال عينين تعلمتا أن تصطادا العالم السعيد بنظرة.

عام 1805 كانت تقف أمام فرانشسكو دي غويا (1746 /1828) ليرسمها، وليملأ قماشة لوحته غزلا، وليضع الجمال كله بين جناحي حمامة، كانت قد حلقت لتوّها. أين ذهبت الحمامة يا إيزابيل؟ أردت أن أسألها وقد وجدتها واقفة في مكانها بالغرفة الأخيرة من متحف ناشيونال غاليري بلندن.

أيبقى العطر خالدا في الهواء؟ ما الذي فعله غويا، لكي يحفظ إيزابيل داخل ابتسامتها الحية التي لا تكفّ عن الإبهار؟ لقد صرت أذهب إلى لقائها كما لو أني كنت موعودا بلقاء سيدة الغموض في لحظة ملغزة.

لقد رسمها غويا كما لو أنه يرغب في أن نستعيدها في كل لحظة نظر، كما هي في شبابها الذي مرّ عليه أكثر من مئتي سنة، ولكن هناك لطخة بيضاء على الجانب الأيسر، تمتدّ من الرقبة إلى الصدر لا علاقة لها بالجمال الطبيعي.

تلك اللطخة ليست من الجسد وليست من الثياب، هي ليست شيئا بعينه، ضربة فرشاة عريضة تركت أثرا لا علاقة له بما رآه الرسام مباشرة من جسد الفاتنة.

لمَ فعلها إذن؟ هل رغب في تخريب جمال تلك السيدة التي يكاد أن يكون مثاليا؟ أم أنه أراد أن ينتقل بتلك السيدة من الطبيعة إلى الرسم، ليكون جمالها وسيطا بين الله والبشر؟

لم يخطئ الرسام، لقد ترك تلك اللطخة البيضاء على مرمر جسد الحسناء الإسبانية، لتشير إليه كائنا لا يرى دائما بعينين بشريتين. إنهما عينا غويا اللتان وهبتا الجمال فضاء يقع خارج الطبيعة، إيزابيل ليست صنيعته، بل هي ربة جماله الشخصي.


كاتب من العراق

16