لطفية الدليمي في ندوة بعمان: أنا امرأة تصطاد البرق

الجمعة 2015/11/06
أنا مجازفة لا أخاف التجربة

“أنا امرأة تقف على حافات العالم، تصطاد وميض البرق ودمعة النيزك، قناصة عواصف ومانحة رؤى، تتفقد الجمال وتروح في هيام صوفي، تتحدث إلى العشب والزهرة والنجمة المستوحدة، ومن أنين القصب توقظ الناي، ومن السنابل تستدرج النعمة، ومن الريح تستولد السر…”.

بهذا البوح الشعري المجازي قدّمت الروائية لطفية الدليمي نفسها لجمهور الندوة التي نظمتها دارة المشرق للفكر والثقافة في عمّان بعنوان “سليلة سومر.. حياة منسوجة بالكلمات” يوم الأربعاء 4/11/ 2015 في منتدى الرواد الكبار. ثم مضت قائلة: أعمل كل صباح على إيقاظ التناغم الداخلي مع الحياة والطبيعة. أنا واحدة مجازفة لا أخاف التجربة، فإن أخفقت لا أندم بل أمضي قدما.

أنظر إلى العالم بعيون كثيرة، عيون الحدس والبديهة، وعندما أثق بحدسي أكون شبه ليل مرصّع بالأقمار، أحمل الطريق ولا يحملني الطريق، أرتدي الأغاني وأمشّط الوقت بالضحكات، هذه هي الحرية التي أفهمها، لا أثق بالجهات، أعني اليمين واليسار، أثق بالأعالي فحسب…”.

من هذا المدخل تشعبت لطفية الدليمي في الحديث عن جملة محاور كان لها حضور أساسي في كتاباتها خلال العقود الماضية، مثل: “إبداع المرأة وتحقيق الخلود”، “حلم الحاكم جوديا بآلهة الكتابة”، “لغة خاصة للنساء في سومر”، إضافة إلى قراءة فصل من كتابها “يوميات المدن”.

في المحاور الثلاثة أكدت الكاتبة أن الإنسان منذ وعيه بفكرة حتمية الموت انشغل بها، وناقش معضلة الخلود وسرّ البقاء، فعمد إلى ابتكار مفردات مختلفة دخلت في صميم البنية الثقافية والدينية لحضارته، ليردّ على حتمية الفناء. وتشكّل ملحمة كلكامش أقدم وأكبر ردّ شعري في التاريخ الإنساني على الموت، كما تجسّد الردّ الآخر في بناء المدن والأسوار والمعابد، ونحت التماثيل والجداريات الكبيرة، والبوابات الهائلة والزقورات المرتفعة، والمسلات، وأحجار الحدود (كودورو)، والسدود وحتى زراعة النخل، الذي كان يحظى بالتقديس باعتباره تدوينا في الأرض، كما أتى الردّ في النصوص وقصائد الحب ونصوص المراثي التي دوّنتها أسافين الناسخات والنساخ على الطين.

وقد أدركت المرأة هذا السرّ، فهي رغم قدرتها على إدامة استمرارية الحياة عن طريق الولادة وحفظ الجنس البشري، كان لا بدّ لها من مواجهة سطوة الزمن بإنجاز شخصي يعينها على مواجهة ذبول الجمال وتدهور الصحة، فأخذت تفكر في الإبداع لتنأى عن مصير الأنثى المنبوذة في حال ذبول الجمال، فقهرت الفناء بابتكار الفنون والشعر والقصص. وقامت كثير من الكاتبات بتدوين حوليات الملوك، وكتابة أخبار منجزاتهم وأعمالهم العمرانية وحروبهم، ونسخ النصوص الدينية، ونصوص علم الفلك والحساب والطب والفؤول. وركزت لطفية الدليمي، في هذا السياق، على الإلهة “نيسابا” فهي، فضلا عن كونها إلهة الغلال والحصاد والحقول والقصب والبردي في دلتا الرافدين، كانت شفيعة الكتابة وحامية للمدرسة (أي الإيدوبا).

وعندما استشار جوديا، ملك لكش، الإلهة نانشا التي كانت تفسر أحلام الآلهة، أخبرته أن الرجل العملاق هو شقيقها الإله ننجرسو، وأن المرأة حاملة القلم هي نيسابا إلهة الكتابة والمعرفة وحامية المدرسة. وهذا يدل، من وجهة نظر لطفية الدليمي، على الدور الأساسي للمرأة في فن الكتابة، إذ اختيرت للكتابة حامية وشفيعة أنثى، ولم ينصبوا رجلا للمهمة نظرا إلى تقديسهم للمرأة والكتابة معا، ولارتباط المرأة بالحدس والمعرفة، ومن ثمّ فإن الكثير من نساء سومر عرفن الكتابة وقلدن شفيعتها نيسابا. ومن أشهر الكاتبات اللائي ذكرتهن المصادر التاريخية والمدونات على الرقم الطينية والألواح، ومعظمهن من الكاهنات: إنانا آمامو، شآن أيا، نيف آزو، آمات شمش، مانا، آيا- توم، وآمات مامو.

ووقفت الدليمي على موضوع في غاية الأهمية، وهو أن نساء سومر كنّ يمتلكن لغة خاصة تسمى “eme sal”، وتعني “اللغة السليطة”، أو لغة الشجار. ومن الواضح أن التسمية فيها بعض من الهجاء الذكوري للغة النساء، ويبدو أن هيمنة الثقافة الذكورية للأكديين، الذين سيطروا على ممالك المدن السومرية، قضت آخر الأمر على ما تبقى من ملامح هذه اللغة، التي كانت مفضلة في النصوص الأدبية السومرية، بسبب دقتها وسلاستها وتوفرها على مفردات جريئة تسمّي الأشياء بأسمائها دون تهيّب أو خوف، وتفصح دون مواربة عن الفكرة والمعنى، وتختزل العبارة دونما إسهاب في التوصيف، بل في تحديد دقيق للفكرة والصورة الشعرية، مما حدا بالأدباء إلى تفضيلها في تدوين نصوصهم لأنها كانت لغة بوح وكشف تعزز النص بصدقها ومباشرتها.

15