لطفي براهم.. ضحية التشويه

نحن أمام شخصية ذات خلفية عسكرية، نجحت في قيادة جهاز الحرس الوطني ثم اتجهت للإشراف على وزارة الداخلية، وهي تحظى بثقة الرئيس السبسي وبثقة أغلبية التونسيين.
الاثنين 2018/03/12
لماذا كل هذا الهجوم على الوزير؟

الهجوم الممنهج وغير المسبوق على وزير الداخلية التونسي لطفي براهم من قبل أطراف محلية وخارجية بعد زيارته الرياض في الفترة الأخيرة، والحديث عن مخطط انقلاب يتزعمه الوزير من أجل إعادة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي السلطة، يطرحان أكثر من سؤال عن أصحاب المصلحة في استهداف رجل يجمع أغلب التونسيين على أهمية الدور الذي قام به في مواجهة الإرهاب وتجاوز مرحلة الفوضى واستعادة البلاد أمنها واستقرارها، سواء من خلال فترة إدارته لجهاز الحرس الوطني، أو من خلال عمله على رأس الداخلية، وعن دوافع الإعلام الممول من الدوحة لتزعم الحرب ضد الوزير التونسي اعتمادا على تغريدات وردت في حساب “مجتهد” المتخصص في الشأن السعودي، والذي سبق أن أكدت سلطات الرياض أنه حساب مزيف يدار من قبل المخابرات القطرية.

في 28 فبراير الماضي، حظي وزير الداخلية التونسي باستقبال من قبل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، لينقل له رسالة من الرئيس الباجي قائد السبسي، ويبدو أن أطرافا عدة سعت إلى تأويل الحدث بشكل يدلّ عن قلقها من أي تقارب تونسي مع الرياض أو مع محور الدول الداعية لمكافحة الإرهاب، فتحدثت عن مؤامرات تحاك، وعن انقلاب في الطريق إلى التنفيذ، وعن محاولات للاستحواذ على الحكم وإقصاء حركة النهضة وإعادة النظام السابق، وغيرها من الخزعبلات التي لا يصدقها عاقل.

رسالة السبسي للملك سلمان كانت تتعلق بالعلاقات الثنائية وخاصة في المجال الاقتصادي، حيث يسعى الرئيس التونسي إلى الاستفادة من علاقاته القديمة خاصة مع السعودية والكويت في الحصول على دعم مالي لبلاده التي تمر بضائقة مالية، والمقربون من مراكز القرار يؤكدون أن السبسي يطمح إلى أن تقوم الرياض بدعم بلاده من خلال ضخ الاستثمارات وتمكينها من بعض القروض والمنح، خصوصا من خلال البنك الإسلامي للتنمية الذي يتخذ من مدينة جدة مقرا له، والذي سيعقد اجتماعه السنوي بتونس في أبريل القادم، والذي استقبل السبسي رئيسه بندر الحجار بعد زيارة وزير الداخلية التونسي إلى الرياض، مثلما حدث مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي الذي يتخذ من الكويت مقرا له والذي أعلن يوم 28 فبراير الماضي عن قرض بقيمة 50 مليون دينار كويتي سيخصص لتمويل مشروع حكومي يستهدف تطوير التعليم الابتدائي.

بمعنى آخر، كانت رسالة السبسي لملك السعودية أقرب ما تكون إلى محاولة الاستنجاد بالشقيق في مواجهة وضع متعثر يهدد الأمن والاستقرار والانتقال الديمقراطي.

كما أن وزير الداخلية التونسي طرح في اللقاء موضوع الهبة السعودية والمتمثلة في 48 طائرة مستخدمة من نوع أف 16 كانت المملكة وعدت بها الرئيس السبسي عام 2015 في إطار التحالف الإسلامي ضد الإرهاب، وبالتالي لم يجر الحديث من قريب أو بعيد عن إمكانية عودة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى تونس مثلما زعم البعض، ولم يتطرق المسؤولون السعوديون مع الوزير التونسي إلى أي جانب من شؤون بلاده الداخلية.

قد يسأل البعض إذن لماذا كل هذا الهجوم على الوزير؟ والجواب قد يبدو معقدا بعض الشيء، فنحن أمام شخصية ذات خلفية عسكرية، نجحت في قيادة جهاز الحرس الوطني ثم اتجهت للإشراف على وزارة الداخلية، وهي تحظى بثقة الرئيس السبسي وبثقة أغلبية التونسيين، ولكنها تتميز بالكثير من الغموض بالنسبة لمن يحبذون التعامل مع الدواليب المفتوحة، فالرجل لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، ولا يُعرف عنه أنه من أصحاب الجماعات والشلل، لذلك نظر إليه البعض بعين الريبة، وقيل إنه يشبه في مسيرته الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وأنه قد توجد أطراف إقليمية أو دولية تراهن عليه في الانقلاب على النظام القائم، وهو ما يعني أن أصحاب هذه التخيلات مازالوا غير مدركين للتحول الذي عرفته تونس، وأن ما كان ممكنا في الثمانينات من القرن الماضي لم يعد ممكنا اليوم، كما أن العالم ينظر إلى البلاد على أنها محكومة بنظام ديمقراطي منتخب لا يمكن الإطاحة به.

في ذات الوقت، هناك من يرى أن الموضوع يتعلق بالصراع على المستقبل، وبمن قد تفرزه تجليات الراهن عنوانا للمرحلة القادمة المفتوحة على الكثير من الاحتمالات، لذلك يتعرض لطفي براهم للاستهداف المباشر، ولم يتأخر إعلام الدوحة في القيام بدوره في هذا الاتجاه، بعد أن بات، أو هكذا خُيل إليه، شريكا في صناعة القرار المحلي.

9