لطفي زيتون: على النهضة الإسراع في التحول إلى حزب سياسي

حركة النهضة تعيش منذ انعقاد مؤتمرها العاشر عام 2016 حالة من الارتباك مردها التناقض بين مخرجات المؤتمر وبين ممارساتها وتوجهاتها في الواقع السياسي والمجتمعي في البلاد.
الجمعة 2019/02/22
لطفي زيتون يغرد خارج سرب النهضة

عرّض عدم التزام حركة النهضة الإسلامية في تونس بشروط المدنية، التي قالت إنها اختارتها منهجا جديدا منذ مشاركتها في الحكم عقب ثورة يناير 2011 لتبنيها الإسلام الديمقراطي وهجرتها الإسلام السياسي، الحركة إلى انتقادات حادة من داخلها وخارجها، في الوقت الذي تزداد عليها الضغوط بسبب موجة اتهامات على خلفية اغتيالات سياسية وإدارتها لجهاز سري. وفي حوار مع “العرب” أكد القيادي البارز بحركة النهضة لطفي زيتون، ضرورة تسريع الحركة في التحول إلى حزب سياسي حتى تقي التونسيين الصراعات القادمة، رافضا توظيف الدّين في الصراع السياسي. وتضع تصريحات زيتون حركة النهضة أمام تحد حقيقي لما كشفته من خلافات حول خيارات الحركة المستقبلية على مستوى سياسي واجتماعي.

تونس- أثارت تصريحات القيادي البارز بحركة النهضة لطفي زيتون مؤخرا جدلا ووصفها مراقبون بالنارية ضد حزبه، ويرجح المراقبون أن تصريحات زيتون نتيجة خلافات داخلية وصراع بين الأجنحة طفا على السطح، إذ تشهد الحركة انقسامات وتباينات في وجهات النظر في ما يخص القضايا المجتمعية وفي كيفية إدارة الحركة للشأن العام خاصة في ما يخص علاقتها برئيس الحكومة يوسف الشاهد.

ولطفي زيتون من القيادات في حركة النهضة التي تدعوها إلى فصل الدعوي عن السياسي . وفي حوار مع “العرب” دعا زيتون الحركة إلى ضرورة التحول إلى حزب سياسي لتجنيب التونسيين الصراعات السياسية والخلافات التي هي في غنى عنها والانصراف نحو مشاغل المواطن الحقيقية.

وتعيش حركة النهضة الإسلامية في تونس منذ انعقاد مؤتمرها العاشر عام 2016 حالة من الارتباك مردها التناقض بين مخرجات المؤتمر وبين ممارساتها وتوجهاتها في الواقع السياسي والمجتمعي في البلاد.

وفيما أعلن المؤتمر العاشر سير الحركة على خطى المدنية بتبني “الإسلام الديمقراطي” الذي اختارته كصفة جديدة لها وتخليها عن الإسلام السياسي الذي تتبناه جماعات الإخوان، كشفت المستجدات في المشهد التونسي التي تلت المؤتمر عن عجزها عن تطبيق هذه المفاهيم الجديدة في تاريخ الحركة، الأمر الذي عرّضها لسيل واسع من الانتقادات.

وتتهم الحركة بأن ارتداءها ثوب المدنية مجرد شعار من الشعارات ومناورة لتحقيق مكاسب سياسية لا أكثر، وقد زادت وتيرة الانتقادات مع إثارة الدولة والمجتمع قضايا الهوية والحريات إضافة إلى طرح لجنة حقوقية العام الماضي مسائل مثل المساواة بين النساء والرجال في الإرث، والمساواة بين جميع الأطفال، بمن فيهم الذين ولدوا خارج إطار الزواش

ويجمع مراقبون على أن معارضة النهضة لمثل هذه المسائل جعلتها تسقط في اختبار الهوية حيث ظهر أنها ما زالت في جوهرها حركة محافظة ومتشددة.

 وانتقاد الحركة لم يكن من خارج النهضة فقط بل كان أيضا من داخلها حيث تعالت أصوات بعض القيادات مثل لطفي زيتون تنادي بضرورة التزام الحركة بالطابع المدني الذي تتميز به تونس.  وطالب الحركة بالدخول في إصلاحات جدية وهو ما يكشف بدوره عن خلافات وانقسامات  بين أعضاء الحركة وقياداتها.

ويحسب لطفي زيتون القيادي البارز ذو الثقل الكبير في الحركة على “الحمائم”، والذي ساهم بآرائه المتحررة والمنفتحة مقارنة بصقور الحركة، أي القيادات والمرجعيات المتشددة، في تقديم صورة مغايرة عن الحركة المحافظة، ما قاد إلى تحقيق التطبيع معها في المجتمع التونسي.

وزيتون هو إعلامي وباحث متخصص في السياسة والتاريخ، وقد شغل موقع مدير مكتب رئيس حركة النهضة من سنة 1993 إلى غاية 2006 كما كان عضوا في المكتب الإعلامي والسياسي للحركة بالمهجر خلال التسعينات.

وفي سنة 2000 التحق بالمكتب التنفيذي ومجلس الشورى لحركة النهضة في المهجر وشغل منصب رئيس تحرير مشارك لفصلية «مراصد» التاريخية. ويشغل حاليا خطة مستشار سياسي لدى رئيس الحكومة. وهو أيضا عضو مجلس شورى حركة النهضة.

حقيقة تصدع النهضة

شبهة توظيف الدين تلاحق حركة النهضة
شبهة توظيف الدين تلاحق حركة النهضة

فجرت تصريحات زيتون الأخيرة، كدعوته إلى تحرير الإسلام من الصراع الحزبي والاقتناع نهائيا بأنه ملك التونسيين، جدلا واسعا. كما أكد زيتون أن الحركة مطالبة بالتطور إلى حزب محافظ يعتمد على البرامج. حقيقة الوضع الداخلي الذي تمر به الحركة، إن كانت تشهد تصدعا حقيقيا أم أنها بحاجة إلى النقد ومراجعة ما سبق وإن تعهدت به أمام الرأي العام المحلي والدولي، هو إعلانها هجرة الإسلام السياسي إلى الإسلام الديمقراطي.

وفي معرض رده على التساؤل إن كانت تصريحاته الأخيرة بشأن الإصلاح هي استكمال تحويل النهضة إلى حركة مدنية تعكس انقساما داخل الحركة، أم أنها دعوة إلى المراجعة دون أن تكون لها خلفيات تحيل إلى الحديث عن انفصال أو انقسام ومشاكل داخل الحركة، يشير زيتون إلى أن هناك جدلا مستمرا داخل حركة النهضة حول التنزيل النهائي لسياسات المؤتمر العاشر الذي قرر التحول إلى حزب سياسي يتأهل لتسيير الدولة وينفتح على كفاءات البلاد بمختلف توجهاتها ليوفر لها الإطار اللازم والرافعة إلى مؤسسات الحكم.

ويقر زيتون أن تقدم النهضة في الانتخابات أثار جدلا متواصلا حول قضايا الهوية أمام المخاوف التي يعبر عنها قطاع واسع من المجتمع وخاصة النساء من إمكانية المس بطريقة عيشهم وبحرياتهم الفردية.

ويعتقد زيتون أن هذا الجدل مرده أساسا عدم وضوح خطاب الحركة، ويرى أن الخلط الذي ما زال يعتري خطاب بعض النهضويين بين ما هو سياسي وما هو ديني يقتضي من الحركة تسريع الخطى نحو التحول إلى حزب سياسي وظيفته الوحيدة هي إنتاج البرامج وتوفير الكوادر لتسيير مرافق الدولة وترك ما عدا ذلك لبقية مكونات المجتمع المدني، وهذا ما عبر عنه بتحرير الإسلام من الصراع السياسي والتوظيف الحزبي.

 ويشرح زيتون أن دعوته النهضة إلى تحرير الإسلام من الصراع الحزبي والاقتناع نهائيا بأنه ملك التونسيين لأن هذا الصراع يضع الدين أمام شبهة التوظيف السياسي ومحاولة لاستثماره في جذب أصوات الناخبين. ويضيف “هو إقرار بأن هناك خلطا يحدث في أذهان المواطنين بسبب كثافة المادة الدينية في خطاب النهضويين وفقرها في الجانب الاقتصادي والتنموي والبرامجي”.

 وشرح زيتون أيضا سبب عدم اقتناعه بالإسلام الديمقراطي، وهو المنهج الذي تتبعه النهضة بعد 2011، قائلا “الإسلام هو دين الشعب وخزان قيمه والمشترك بين كل التونسيين فهو ملك له لا يجوز أن يقترن بفئة أو طائفة أو جماعة دون البقية.. كما أن إضافة مصطلح سياسي أو ديمقراطي أو حداثي أو أي شيء آخر إلى الإسلام فيه تقليل من أهميته وشبهة توظيفه سياسيا”.

ويشير متابعون إلى أن حركة النهضة تمر بمنعطف يحتم عليها تحديد مسارها المستقبلي وطبيعة وجودها على الخارطة السياسية، خاصة وأنها تشهد مؤخرا جملة من الأزمات في مقدمتها الاتهامات بإدارة جهاز سري والجدل المتفاقم بشأن دور لها في انتشار مدارس قرآنية أشبه بالمعسكرات، أو شبهات بوقوفها وراء جمعيات مشبوهة تحرض التونسيين على الإرهاب والانتقال إلى بؤر التوتر.

وتضع الأزمات التي تعصف بالحركة حاليا النهضة في موقع حرج يضعها في تحديات في ما يخص طريقها نحو الإصلاح الأمر الذي يدفع إلى التساؤل عن كيفية تجاوز النهضة لهذا المنعطف بنجاح: هل ستستطيع فعلا التحول إلى حزب سياسي أكثر منه حركة إسلامية؟ وهل ستكون قادرة فعلا على تجاوز الماضي؟ ويجيب لطفي زيتون قائلا “يذهب التفكير في هذا مذاهب شتى من الذين يدعون إلى العودة إلى المنابع وتقليل الاهتمام بالشأن السياسي لحساب الشأن الدعوي والتربوي إلى الذين يرون أن العودة إلى الوراء مستحيلة بعد أن ‘تورطت’ النهضة في ممارسة السلطة وأنها تحولت بذلك إلى ملكية وطنية تقع تحت رقابة الرأي العام ما يفرض عليها الشفافية الكاملة في كل مستوياتها السياسية والتسييرية والتفرغ للعب دور الحزب السياسي”.

 ويبين زيتون أن “ما أفعله وكثير من زملائي في الحركة هو الدفع والإسراع في إتمام هذه النقلة قبل الانتخابات القادمة التي ستتوج الانتقال الديمقراطي حتى لا تفتح الانتخابات على البلاد المزيد من الصراعات والتحارب”.

 ويلاحظ المتابعون انقساما داخل الحركة بين “جماعة المهجر”، وأعضاء النهضة ممن ظلوا في تونس وتعرضوا للاعتقال والتضييق. وقد يكون لهذا الانقسام تأثير على قرارات الحركة والخطوات الإصلاحية التي يدعو إليها عدد من أعضاء الحركة، ومن بينهم لطفي زيتون.

 لكن زيتون يؤكد أنه ليس هذا هو الانقسام الأساسي في النهضة “فالانقسام الأساسي فكري سياسي وليس تنظيميا.. مع الإقرار بأن اختلاف السياقات بين المهجر والداخل يؤثر في اختيارات بعض الأفراد”.

 ومآخذ القيادي بحركة النهضة لطفي زيتون على الحركة ليست خياراتها الفكرية فقط، التي تبقيها في خانة الحركة الإخوانية، بل ينتقد تمشيها السياسي وتحالفاتها الحزبية، التي تسهم في فقدان ثقة الناخب مع اقتراب السباق الرئاسي والتشريعي المقرر العام الجاري.

تحالف النهضة مع الشاهد

دعم النهضة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أجج الصراع داخل الحركة
دعم النهضة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد أجج الصراع داخل الحركة

يرفض زيتون دعم حركة النهضة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد وفك ارتباطها بحركة نداء تونس وهو ما أعلن عنه الرئيس الباجي قائد السبسي في شهر سبتمبر الماضي.

ويأتي إعلان قائد السبسي بعد أن رفضت حركة النهضة مطلب حزب نداء تونس الحاكم، الذي أسسه قائد السبسي نفسه قبل ست سنوات، إقالة رئيس الحكومة يوسف الشاهد وقالت إنه يتعين المحافظة على الاستقرار السياسي.

وفي أول تعليق على تصريحات قائد السبسي، قال لطفي زيتون لرويترز آنذاك “هذا من شأنه أن يعمق الأزمة السياسية ويجب أن نقوم بجهود لعودة العلاقة وأن يجلس الجميع للحوار لأن الوضع الاجتماعي والاقتصادي لا يحتمل مزيدا من التأزم”، مضيفا أن النهضة حريصة على الاستقرار والوصول إلى تفاهمات عبر الحوار.

وكشفت تصريحات زيتون أن دعم النهضة للشاهد أجج الصراع داخل الحركة وهو محور خلاف بين قياداتها، أمام توقعات بأن يبلغ هذا الصراع ذروته مع اقتراب الانتخابات خاصة وأن قيادات الحركة تتجاهل الأصوات الناقدة لها وتمضي في خياراتها والاصطفاف مع رئيس الحكومة الذي قلب المعادلة السياسية في البلاد لصالحه.

وقالت حركة تحيا تونس، الخميس، القريبة من رئيس الحكومة يوسف الشاهد إنها متفقة مع حركة النهضة على المحافظة على الاستقرار الحكومي واستكمال المؤسسات الدستورية.

ويرجح مراقبون أن يتحول هذا التقارب إلى تحالفات في مرحلة ما بعد الانتخابات. لكن زيتون يستبعد تحالفا بين النهضة وحزب يوسف الشاهد الجديد تحيا تونس.  وينظر زيتون إلى تحالفات الحركة من زاوية مختلفة فهو يدعم تحالفا بين “الإسلاميين” ومن أسموهم “البورقيبيين” في بناء الدّولة، في إشارة إلى أتباع الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية.

وسبق أن صرح “إدراج التيار الإسلامي الرئيسي الذي تمثله حركة النهضة، والسماح لها بالمشاركة في الحكم، وفي العملية السياسية والدّيمقراطية، يعدّان جزءا من العلاج، وتهيئة بقية التيارات الإسلامية الأخرى لذلك”.

الخلط الذي ما زال يعتري خطاب بعض النهضويين بين ما هو سياسي وما هو ديني يقتضي من الحركة تسريع الخطى نحو التحول إلى حزب سياسي وظيفته إنتاج البرامج وتوفير الكوادر لتسيير مرافق الدولة وترك ما عدا ذلك لبقية مكونات المجتمع المدني

ويعتقد أن التحالفات بين الأحزاب تتحكم فيها نتائج الانتخابات ونوعية برنامج كل حزب. ويتابع “لقد مرت تونس بفترة تحالفات لم تنجح بسبب اختلاف المشارب والاتجاهات بين المتحالفين، ومن السابق لأوانه الحديث عن مثل ذلك قبل سنة على الانتخابات، بل هذا يلقي عليها ظلالا من عدم الثقة”.

وفيما يقول المراقبون إن النهضة تراهن على الشاهد للحفاظ على نفوذها ووجودها السياسي في مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة، يرى زيتون أن “وجود النهضة السياسي ليس مرتبطا بأي شخص، سواء داخل الحركة أو خارجها”.

 ويضيف القيادي البارز بحركة النهضة لطفي زيتون في حواره مع “العرب” قائلا “كل ما أدعو إليه من إصلاحات هو في جوهره لتخليص الحركة من حالة الاعتماد على طرف آخر دائما ليقدمها للتونسيين”، مستبعدا أن يكون هناك تهديد لوجود النهضة.

ويختم “بل أزعم أن النهضة مؤهلة للقيادة إذا راعت موازين السياسة الخارجية للدولة التونسية واكتفت بالبعد الوطني وتماهت مع العقيدة العسكرية والأمنية لمؤسساتها وتخلت عن توظيف الثوابت في خطابها وانفتحت على كفاءات البلاد وأنتجت من البرامج ما يساهم في حلحلة الأزمة الاقتصادية المستشرية.

12