لطيفة ومرنة ومراوغة.. الشخصية التونسية في كتاب

الأحد 2013/09/15
لقطة فوتوغرافية من تونس الثلاثينات

هل يمكن وضع شخصية شعب من الشعوب تحت مجهر البحث العلمي؟ يبدو أن هذه المسألة تحتاج إلى دارس يتوفّر على فائض من المغامرة تهون به كلّ المطبّات التي تعترضه وهو يخوض في مجال بشري سِماته التنوّع والتغيّر والحركة والتفاعل. ذلك أنه مهما حشد الدارس عدّته البحثية وعتاده المعرفيّ، يظلّ الاطمئنان إلى مخرجات دراسته محفوفا بالرَّيْب باعتبار أنّ البحث في الظواهر البشريّة يظلّ مسألة خلافية بسبب تنوّع ثقافة الدارسين التاريخية وتباين منطلقاتهم المنهجيّة وعلاقاتهم بالمجموعة التي يدرسونها، واختلاف أسباب اختيارهم للظرف التاريخي الذي يتحوّط بحوثهم، إضافة إلى مدى إجرائية الأدوات التي اعتمدوها.

وفي هذا الإطار، يتموضع كتاب المنصف ونّاس، أستاذ التعليم العالي والباحث المهتمّ بسوسيولوجيا الدولة والنخبة الثقافية والسياسية والاقتصادية، وعنوانه "الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية"، حيث يمثّل محاولة بحثية جريئة رامت الوقوف على ملامح الشخصية التونسية، وهي تتحرّك في معيشها اليومي، بكلّ ما تحمله في تكويناتها التاريخية والاجتماعية والثقافية من إرث حضاري تعدّدت فيه العقائد وتعاقبت فيه أنظمة الحكم المستبدة التي أذاقت المواطن صنوفا من الظلم والقمع والإحباط، وعرّضته لتوتّرات اجتماعية وهزّات سياسية عنيفة ما تزال آثارها حاضرة في مخياله الجمعيّ.

نشر منصف ونّاس كتابه سنة 2011 عن الدّار المتوسطيّة للنّشر بتونس، ووزّعه على امتداد 323 صفحة إلى مقدّمة وثلاثة فصول وخاتمة. حدّد الباحث في مقدّمة كتابه هدف دراسته، وهو "أن نصل إلى بناء تصوّر موضوعي لتطوّر المجتمع التونسي، وأن نشخّص عوامل تهيئة مستقبلية لهذه الشخصية"، واستعمل في تحقيق ذلك عُدّة منهجية ومادية تنهض على دعائم الإحصاء والتأويل على غرار اختياره لعيّنة بحثية تشمل 500 شخص يتوزّعون على كامل التراب التونسي.

مهما حشد الدارس عدته البحثية وعتاده المعرفي، يظل الاطمئنان إلى مخرجات دراسته محفوفا بالرَّيب باعتبار أن البحث في الظواهر البشرية يظل مسألة خلافية.

درس منصف ونّاس في الفصل الأول من كتابه الملامح العامة للشخصية التونسية التي سمّاها "الشخصية القاعديّة"، حيث قدّم لها توصيفات منها أنها شخصية شتّامة والتفافيّة ولا تقوى على تحمّل المسؤولية، وهي "شخصيّة لا تحبّذ كثيرا المواجهة وتلتفّ على الظّواهر وتفضّل أن تحتسب الأمور بكيفيّة تضمن لها المكاسب وتجنّبها الخسائر. وهي صفة على درجة من العقلانيّة ولكنّها تفضي بطول الوقت إلى بروز شخصيّة واقعيّة ومهادنة ومتقبّلة للأمور"، وهي أيضا شخصية ميّالة إلى التقرّب من الحاكم وخدمة مشروعه مادام في السلطة. كما تعتبر هذه الشخصية مهادنة ومحبّذة "للزبونية" والسكوت عن الفساد مادام يعود عليها بالنفع. أما الفصل الثاني، فأفرده الباحث للصفات الخاصّة للشخصية التونسية، حيث درس عيّنات منها على غرار سلوك الشخصية القاعدية للجامعيين التونسيين وما تنهض عليه العلاقات بينهم من تبادل التهم والتحقير من الشأن والغرور الزائد والافتخار الكاذب بالذات الوطنية. ويذهب ونّاس إلى القول: "إنّ هذه الشخصيّة تتّسم بالمرونة والقدرة على الاندماج والانصهار السّريع والتّجاوب مع الوضعيّات المختلفة ولكنّ هذه الإيجابيّات تترافق في الآن نفسه مع نقائص عديدة. فهذا الحرص على الاندماج يترافق مع واقعيّة قصوى وتغليب المصلحة الذاتيّة على المصلحة الجماعيّة وإعطاء الأولويّة للمكسب الشّخصي على مكاسب أخرى". وتناول منصف ونّاس بالبحث في الفصل الثالث من كتابه الصفات المشتركة العامة بين الشخصية القاعدية التونسية والشخصية القاعدية في بعض الأقطار العربية، وخاصة منها مصر، وفي هذا المجال يذكر الباحث أن السمات الغالبة المشتركة هي الخوف والانهزامية والانتكاس أمام كلّ همّ طارئ. ويقترح منصف ونّاس في خاتمة كتابه مجموعة من الملاحظات التي يرى في الأخذ بها سبيلا إلى تطوير الشخصية التونسية على غرار إصلاح منظومة القيم المتضمّنة بمناهج التعليم، إضافة إلى ضرورة التخلّي عن مقولات الجهوية والعروشية والقبائلية بما يمنع عن المجتمع تصدّعه ويضمن له وحدة شخصيته وصفاء ملامحها.

والملاحظ في الملامح التي حدّدها المنصف ونّاس للشخصية القاعدية التونسية هو أنها ملامح أوغل الباحث في إضفاء صفات السلبية عليها، وحتى ما ذكره بشأنها من صفات إيجابية، عاد إليها بالثلب والتحوير ما به ترتسم عنها في ذهن القارئ صورة سوداوية مريبة ومخيفة.

ولئن اتكأ منصف ونّاس، في تخيّر تلك الصفات، على نتائج أفرزتها "عيّنة البحث"، فإنه لم ينجح في منحها صدقيّة ما هي مطلب كلّ البحوث الرصينة. ذلك أنّ كتاب ونّاس ليس إلاّ مجموعة دروس ألقاها أمام طلبته بالجامعة التونسية ما بين سنتيْ 1998 و2003، ثم عاد وجمعها في كتاب رام من ورائه "تغيير زوايا الهجوم العلمي لفهم هذه الشخصية التي تعتبر غير قابلة للتغيير" بل و"متلبّسة ضعيفة المبادرة قليلة التحفّز والإنتاج". إلاّ أنّ منصف ونّاس، وهو المتخصًّص في الدراسات السوسيولوجية، لم ينتبه إلى أنّ مجريات الواقع غالبا ما تكذّب نتائج البحوث الإنسانية، فبعد صدور كتابه بأشهر قليلة، تمرّد الشعب التونسي عن صفات "السكوت عن الفساد" و"الميل إلى الحلول الفردية" والنعرات "الجهوية والعروشية والقبائلية" و"المهادنة" و"عدم تحمّل المسؤولية" وغير هذا كثير مما ورد بكتاب منصف ونّاس، وأنجز ثورة بأدوات سلمية قضى بها على نظام وُصف بالديكتاتوريّ ذي المؤسّسات الفاسدة، حيث تداعت جموع الناس من مختلف جهات البلاد متوحّدة على مطلب واحد هو تحقيق الحرية والكرامة الوطنية.

12