لطيف زيتوني: انتهى مشروع النهضة العربية وانتهينا إلى أرض أخرى

الناقد اللبناني يرى أن المثقّفين اليوم يركّزون النظر في الحاضر، لأنّهم يدركون أنّ المستقبل ما عاد رهنا بإرادة الشعوب، بل بإرادة القوى الاقتصادية العظمى التي تسيّر العالم.
الأحد 2018/10/14
لطيف زيتوني: أترجم بمزاج شخصي حر

يعتبر الباحث والناقد اللبناني الدكتور لطيف زيتوني أحد أبرز الأكاديميين في العالم العربي، فهو صاحب إسهامات ملحوظة في حقل النقد الأدبي والنقد الثقافي، وفي رصيده مؤلفات تركت أثرا في وعي قراء الأدب. في كتابه الجديد الموسوم بـ«الرواية والقيم»، الصادر مؤخرا في بيروت يبحث في هوية الشخصية الأدبية التي تكتب الرواية، وطبيعة الوعي الثقافي والمجتمعي لدى كاتب الرواية، أي “الروائي المثقّف” الذي يحمل الهمّ الأخلاقي، ويوظف كتاباته في خدمة قضايا مجتمعه. “العرب” التقت صاحب كتاب «الرواية العربية: البنية وتحوّلات السرد»، المتخصّص في دراسات النقد الأدبي الحديث، للتوسع أكثر في موضوع كتابه الجديد وما جاء فيه من أطروحات مستجدة.

يحدثنا د. زيتوني في بداية حوارنا معه عن انشغالاته الحالية على صعيد الكتابة، فيقول “أعمل الآن على كتاب في النقد يتناول المسائل السردية الجديدة، تلك التي شهدت تطورا حقيقيا في السنوات القليلة الماضية. إنّه حلقة جديدة في مشروعي الذي بدأته منذ سنوات لتحصين النقد العربي من خلال ضبط المصطلحات وتوضيح المفاهيم وتجربة مقاربات جديدة تساهم في تطور التفكير النقدي”.

وعن كتابه النقدي «الرواية والقيم»، والأمر الذي قاده لهذا الموضوع تحديدا، يُنبئنا صاحب «سيمياء الرحلة»، أنّه “يعالج قضية المسؤولية. فكلّ حيّ مسؤول عن نفسه، ولكنّ من يتوجّه إلى الناس يصبح مسؤولا أيضا عنهم. الكاتب هو أكثر من يتوجه إلى الناس، لهذا ينبغي أن يكون أكثرهم مسؤولية عنهم. هذه المسؤولية لا تمكن ممارستها دون معايير، والقيم هي هذه المعايير. هذا العمل يهتم إذن بمسؤولية الكاتب، وتحديدا كاتب الرواية. ولكنّ الكاتب قد ينكر هذه المسؤولية، أو يتجاهلها، أو يمارس ما يناقضها. فالمسؤولية، وإنْ كانت واجبا أخلاقيا، ليست واجبا قانونيا، أي ليست إلزامية. لهذا يدرس هذا العمل طبيعة الكتّاب الذين يلتزمون بواجب المسؤولية، أي مَن يُطلق عليهم الناس اسم المثقّفين. ثمّ يدرس دور الكاتب المثقّف في الدفاع عن القيم، ويضع ترسيمة للمسؤوليات تشمل كل عناصر العمل الروائي، الحقيقي منها كالمؤلف والقارئ والناشر والناقد والمترجم، والمتخيل كالراوي والمروي له والمؤلف الضمني والقارئ الضمني. ثمّ ينتقل من الدفاع إلى الثورة على القيم المضادّة فيبحث في تجربة المثقّفين العرب وطبيعة الالتزام الروائي وفي وسائل الثورة التي تعتمدها الرواية”.

ونسأله عن كيفية اختياره لعنوان دراسته الجديدة، وهل كان هو المدخل لها عنده؟ فيجيبنا قائلا “المدخل إلى هذه الدراسة، والغاية التي تتطلع إليها أيضا، هما البحث في مسؤولية الكاتب، ولما كانت المسؤولية تقوم على القيم، والقيم معايير متطورة وأحيانا خلافية بين البيئات وبين الطبقات، كان التركيز عليها ضروريا لتحديد وضبط المبادئ التي تحكم ممارسة هذه المسؤولية”.

نقد الرواية

معالجة قضية المسؤولية
معالجة قضية المسؤولية

في هذا البحث عمل صاحب «معجم مصطلحات نقد الرواية» على مناهج عدة ومختلفة، جامعا بين النقد الثقافي والنقد الأدبي والروائي خاصة، والدراسات الحديثة في علم الاجتماع وفلسفة الأخلاق وتاريخ الثقافة. وهو هنا يستفيض أكثر في شرح هذه النقطة، فيقول “لا يمكن دراسة مسؤولية الكاتب من دون التعريج على مسؤوليات عدد من المشاركين في تحقيق الرواية كالقارئ والناشر والناقد والمترجم، ولا تكتمل هذه المسؤوليات من دون مسؤوليات المجتمع والدولة. هذه المسؤوليات المختلفة والمتعدّدة لا يحيط بها منهج نقدي واحد، أو مجال معرفي واحد. نعم، قد يكتفي الدارس الملتزم بمنهج واحد لمقاربة موضوعه، وهو دأب معظم النقّاد، ولكنّ ذلك لا يعني استيفاء الغرض، بل يعني تغليبَ الجانب الذي يركّز عليه هذا المنهج، واعتبارَه الأهم. فالواقعية الاشتراكية أو البنيوية أو اتجاهات ما بعد البنوية أو مقاربات التحليل النفسي أو النقد النسوي تقدّم لنا كلها تحليلا دقيقا متسقا، ولكنه جزئي وليس كاملا. ومن يرغب في الكشف عن كل جوانب موضوعه عليه أن يدخل إليه من كلّ أبوابه”.

يرى نقّاد أنّ علاقة الرواية بالقيم الإنسانية العقلانية والحرية والتنوير إنّما هي البحث في كيفية انخراط العرب من خلال مثقّفيهم في تجديد النموذج الثقافي العربي. وهذا إسهام فكري في الدفاع عن القيم الإنسانية ونشرها وتمكينها من جهة، والثورة على القيم المضادّة من جهة أخرى لبناء مشروع نهضة عربية في عصر نبدو فيه أبعد ما نكون عن النهضة. فما هو رأي الأستاذ المحاضر في “الجامعة اللبنانية الأميركية” سابقا، وما هي الأبعاد التي ذهب إليها في هذا السياق ضمن كتابنا هذا؟ فيقول “بناء مشروع نهضة عربية لم يعد مطروحا. جيل المثقّفين العرب الذين نشطوا في مطلع القرن العشرين كانوا يتطلعون إلى المستقبل، ويحاولون بناءه على أساس القيم التي قامت عليها الدول المتقدمة. وليس هناك من ينكر أنّهم حققوا قدرا من غاياتهم، بدليل الفرق الواسع بين حال العرب قبل الانفتاح على الغرب وحالهم بعده”.

ويضيف “المثقّفون اليوم يركّزون النظر في الحاضر، لأنّهم يدركون أنّ المستقبل ما عاد رهنا بإرادة الشعوب، بل بإرادة القوى الاقتصادية العظمى التي تسيّر العالم. لم يعد بناء المستقبل هو الهدف بل ضمان المستقبل، أي حماية حق الناس في الموارد الطبيعية والعمل الكريم والمشاركة في ما يُرسم حاضرا لمستقبلهم. لم تعد المعركة محلية الطابع أو قومية الحدود، صار استمرار الإنسان نفسه في خطر بعدما سادت قيم الربح، وسيطر الرأسمال على الإعلام ودور النشر، وبدأت الآلة تحلّ محلّ الإنسان في الكثير من المجالات، وتحكّمت وسائل التسلية الآلية في الوقت المتاح لشبابنا لتنمية ثقافتهم. وهذا يرتب على المثقّفين العرب أن ينخرطوا في الجهود الثقافية الدولية التي لا بدّ أن تتضافر للدفاع عن الإنسانية وقيمها الإيجابية ولمواجهة القيم المضادّة التي تعتمدها وتروّج لها القوى الاقتصادية المهيمنة على العالم”.

لضيفنا تعريف خاص لمفهوم “المثقّف” ودوره في المجتمع، أبرزه في كتاب «الرواية والقيم»، ويرسم هنا ملامحه بالقول “التعريف الملائم للمثقّف هو ذاك الذي أعطيَ له في الأصل حين أطلق جورج كليمنصو على الموقّعين على العريضة المطالِبة بإعادة محاكمة دريفوس (وهو الضابط الفرنسي الذي اتّهم زورا بالتجسس ضد بلاده) اسم المثقّفين، (واصفا المثقّف بأنّه رجلُ قضية، يؤثر في الرأي العام، ويعزّز الأمل بالمستقبل). ولكنّ كلمة مثقّف، كالكثير من الكلمات الشائعة المعبِّرة عن مفاهيم متعالية، تجري على ألسنة الناس بمعانٍ تقريبية تستوعب شيئا من دلالتها الحقيقية من دون أن تدركَها كلَّها. ولا يقتصر الأمر على العامة، بل هو قائم على كلّ مستوى، ويصيب كلّ مفهوم شائع. ففي الستينات اشتكى جان بول سارتر من استعمال الناس لكلمة وجودية بعدما حمّلوها دلالات لا تمتّ إليها بصِلة، وأحيانا دلالات تناقض أصلها. لهذا كان لا بدّ، ونحن نبحث في مسؤولية الكاتب، من ضبط مصطلح المثقّف بالعودة إلى مَنشئه وكشفِ المفهوم الذي وُضع له، ثمّ تتبع هذا المفهوم في كتابات كبار المفكّرين الذين خصّصوا له مساحة واسعة في نتاجهم. ولقد توصلتُ نتيجة لهذه المراجعة إلى أنّ مفهوم المثقّف لا بدّ أن يحافظ على الركائز الثلاث التي ذكرها كليمنصو، ولا بدّ في الوقت عينه من أن يتحرّر من الدلالة المتعالية التي سجنه فيها سارتر وسائر أهل الفكر، وأن يتّسع للمجالات كلها بقضاياها وشخصياتها. لهذا وضعتُ تصورا جديدا له يستوعب درجات مختلفة من القضايا ومن المثقّفين أيضا”.

الروائي المثقّف

زيتوني: بناء مشروع نهضة عربية لم يعد مطروحا
زيتوني: بناء مشروع نهضة عربية لم يعد مطروحا

“الروائي المثقّف”، مصطلح عمل على سكّه د. زيتوني في هذه الدراسة. فما هي سماته؟ الجواب يأتينا على لسانه “مصطلح الروائي المثقّف يفترض نقيضه، أي الروائي غير المثقّف. وهذا المصطلح الأخير ليس بأي حال حكما على موهبة الروائي أو على القيمة الفنية لرواياته”.

ويتابع قائلا “الروائي المثقّف يلتزم بقضايا مجتمعه وبقضايا الإنسان. ولكنّ الالتزام ليس على درجة واحدة، ولا على صورة واحدة. وهناك فرق أيضا بين الروائي الملتزم والرواية الملتزمة، فالمصطلح الأول يعبّر عن الالتزام الثقافي، بينما الثاني يعبّر عن الالتزام الأيديولوجي”. ويردف محدثنا “الروائي المثقّف يجمع بين صفتين غير متلازمتين بالضرورة. فليس الروائي مثقّفا بالضرورة، ولا المثقّف روائيا بالضرورة. والمثقّف ليس المتعلم؛ وإن كان المثقّفون متعلمين، وليس الكاتب، وإن كان أشهر المثقّفين من الكتّاب. والروائي يصبح مثقّفا حين ينخرط في الشأن العام، ويكون له رأيٌ في ما يجري حوله، ويتخذ مواقفَ معلنة من الواقع الذي يعيش فيه، ويكون انشغاله بالشأن العام منطلِقا من فهْم واضح لمبدأ المسؤولية الاجتماعية، ومرتكِزا على قواعد مشتركة هي القيم الإنسانية. واتصاف الروائي بصفة المثقّف تظهر في حياته الواقعية وفي رواياته على السواء، فلا يمكن أن يناقض في سلوكه ما يعبّر عنه في رواياته”.

“العرب” تسأل د. لطيف زيتوني: هل بإمكان الرواية أن تلعب دورا فاعلا في الدفاع عن القيم؟ فيجيب “هذا أمر لا شك فيه. لأنّ الرواية تقدّم واقعا في أزمة، سواء كان واقعا اجتماعيا أو سياسيا أو فرديا؛ وتتعامل شخصياتها مع هذه الأزمة بناء على قواعد أو مبادئ أو معايير تسمى القيم. والدفاع عن القيم يتم بأشكال كثيرة، مباشرة وغير مباشرة؛ على لسان الراوي، وعلى لسان الشخصيات، ومن خلال اختيار الموضوع، وتوجيه الحوادث، واختيار الخاتمة، ومن خلال خلق صراع بين الخيارات تذهب فيه الشخصية الرئيسية من الدفاع إلى المواجهة، مواجهة القيم السلبية والنقيضة التي تتزيّا بألف زيّ ويغلفها أصحابها بألف تبرير. فالرواية هي أكثر الأنواع الأدبية استيعابا لمعركة القيم”.

مغامرة في المجهول

لصاحب «حركة الترجمة في عصر النهضة» رؤية خاصة حول “مغامرة الكتابة” التي منحته من الكتب: «معجم مصطلحات نقد الرواية»، و«الرواية العربية: البنية وتحوّلات السرد»، و«الرواية والقيم»، إلى جانب كتب أخرى في حقول أدب الرحلة والترجمة. يبينها لنا بالقول: “البحث مغامرة حقيقية، خصوصا لمن يستهويهم المجهول فيتوغلون بعيدا لاكتشافه. ولكني لا أرغب في الاكتشاف من أجل ذاته بل من أجل توظيفه في خدمة الآخرين. حين بدأت كتابي «سيمياء الرحلة» في الثمانينات كانت السيمياء منصبّة على الحكاية القصصية، فآثرت أن أساهم باستكشاف مجال آخر هو الرحلة، لأنّ العرب قبل هذا الزمن برعوا فيها أكثر مما برعوا في القصة. وحين كتبت «معجم مصطلحات نقد الرواية» كان الاضطراب في فهم مصطلحات السرد شائعا في جامعاتنا وصحافتنا، وعلى أقلام النقّاد والدارسين والروائيين على السواء، فكان لا بدّ من معجم يشرح المفاهيم ويضبط الاضطراب.

لم تتطور الحكاية إلى رواية إلا عندما بدأ المؤلف يطرح على نفسه السؤال عن الشكل
لم تتطور الحكاية إلى رواية إلا عندما بدأ المؤلف يطرح على نفسه السؤال عن الشكل

وفي «الرواية العربية: البنية وتحوّلات السرد» تناولت أيضا مسألة المفاهيم، كالتجريب الروائي والسيرة كشكل سردي والتخييل الذاتي، إلخ. ولكن بتوسّع لا يسمح به المعجم. أمّا في كتاب «الرواية والقيم» انتقلت من ممارسة المسؤولية إلى طرح قضية المسؤولية. فبعدما كشفت الثورات العربية هشاشة ثقافتنا وتخلف شعبنا، حان الوقت لنطرح مسألة المسؤولية، لا لنحاسب بالضرورة، بل لنستكشف قدراتنا ونجمع قوانا ونستغل ما بأيدينا من أجل أن يمارس من يرغب منا دوره كمثقّف”.

ننتقل مع مُحدثنا للحديث عن اشتغاله في حقل الترجمة، سائلين إياه: أيّ دور للترجمة في تطوير الأجناس الأدبية؟ فيجيبنا “هذا السؤال هو موضوع كتابي «حركة الترجمة في عصر النهضة» الذي درستُ فيه الكيفية التي تمكنتْ بها الترجمة من تطوير الأجناس الأدبية المعروفة عندنا (كالشعر والقصة)، ومن إدخال أجناس جديدة (كالمسرحية)، ومن إغناء اللغة العربية بالمفردات والتعابير والمصطلحات وتخليصها من تكلّف السجْع، ومن فتح عقول الكتّاب على آفاق جديدة. فالترجمة انفتاح على المختلف، وهي من أهم مغذيّات الأدب، وفي طليعة أسباب تطوّره”.

وبسؤاله عن الذي يُحدد اختياراته للأعمال التي يترجمها؟ وعن المبادئ أو القواعد التي يسير وفقها كمترجم، وهل له عادات معينة في الترجمة؟ يجيب “ما حدّد اختياري هو أهمية الكتاب ومعرفتي بموضوعه. ومبدئي في الترجمة كان أنّ الدقّة في نقل المعنى يجب أن يصاحبها وضوح العبارة المترجمة. أما العادات فليس لي عادات، لا في الترجمة ولا في الكتابة عموما”.

وعن أثر ترجماته في كتاباته النقدية؛ وهل استفاد من الترجمة في حقل الدراسات النقدية الحديثة؟ فيقول “ربما أثّر فيّ الكتابُ الأول الذي ترجمتُه، وهو «المسائل النظرية في الترجمة» لجورج مونين. فهو يدرس الترجمة كإمكانية علمية من خلال كلّ العلوم التي تناولَتْها. وهذه المقاربة الشاملة المتمسّكة بالدخول إلى أعماق الموضوع تدلّ على التزام شخصي ووجداني وعلمي بالحقيقة من جانب المؤلف. وهذا هو الالتزام الأقرب إلى نفسي”.

وأخيرا، نسأل ضيفنا عن آخر الترجمات التي نشرها، وماذا يترجم الآن؟ فيعترف لنا أنّه لا يعتبر نفسه مترجِما حقا. ويضيف “لقد استهوتني الترجمة لفترة من الزمن ألّفتُ فيها كتابا عنها، ثمّ نقلتُ كتابين أحدهما يتعلق باللسانية والترجمة، والآخر يتعلق بقضايا الأدب العامة. ولكني أهملتُها بعد ذلك لأتفرّغ لدراساتي في نقد الرواية ونظرية الأدب”.

11