لعبة اختباء إخوان الكويت تحت جبة الدولة تشارف على نهايتها

انتباهة رسمية لخطر الإخوان تذكيها تحذيرات التيار المدني من الوضع الشاذ للجماعة.
الجمعة 2020/07/03
مع الدولة في السرّاء وعليها في الضراء

الطريقة التي حاول فرع جماعة الإخوان المسلمين في الكويت أن يعالج بها انكشاف تآمر عضو في الجماعة مع معمّر القذافي لضرب استقرار منطقة الخليج، لم تزد إخوان الكويت إلّا انكشافا ووقوعا تحت مجهر ملاحظة الدولة والمجتمع، ما يجعلها مهدّدة أكثر من أي وقت مضى بفقدان الوضع الاستثنائي المريح الذي تمتعت به هناك طيلة عقود من الزمن رغم كثرة أخطائها في حقّ البلد وشعبه وقيادته، ورغم تهديدها المستمرّ لعلاقاته الحيوية بمحيطه الخليجي والعربي.

الكويت - تكشف الضجّة الدائرة حاليا في الكويت حول تصريحات الناشط السياسي مبارك الدويلة بشأن الشريط المسرّب لمحاورة قديمة له مع الرئيس الليبي السابق معمّر القذافي، ومحاولته الاحتماء بمقام أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح من تبعات ما تضمّنه الشريط من إساءات وتآمر على بلدان الخليج، جانبا من الأساليب الملتوية والتكتيكات الانتهازية التي ظلّ إخوان الكويت يتّبعونها في إدارة علاقتهم بالدولة الكويتية، وقد أتاحت لهم بالفعل العيش في كنفها طيلة عشريات من الزمن والتغلغل في مؤسساتها واستغلال ثروتها ومقدّراتها، في ظل حالة من التسامح معهم رغم كثرة أخطائهم بحقّها واستعدادهم الدائم للانقلاب ضدّها والتآمر عليها، وهو ما تجسّد على الأقل مطلع العشرية الحالية عندما انضموا بفعالية إلى محاولة جلب فوضى الربيع العربي إلى البلد.

ومع رواج شريط صوتي يظهر القيادي الإخواني مبارك الدويلة بصدد الحديث إلى معمّر القذافي عما بدا أنّه مخطط لاستخدام القبائل في زعزعة أمن الخليج والسعودية على وجه التحديد، ادعى الرّجل أنّ زيارته لليبيا ولقاءه القذافي لم يكونا سريين وتمّا بعلم السلطات الكويتية، وأنّه أحاط أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد علما بفحوى محادثته مع القذافي، وأن الأمير طلب منه إعلام العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وكان آنذاك أميرا لمنطقة الرياض بالأمر، مؤكّدا أنّه قام فعلا بإعلامه.

ما كل مرة ينفع التذاكي

تبرير مبارك الدويلة لمحادثته مع القذافي يكشف الأساليب الملتوية والتكتيكات الانتهازية التي ظلّ إخوان الكويت يتّبعونها في إدارة علاقتهم بالدولة والتي مكنتهم من العيش في كنفها واستغلال مقدّراتها

بدا أنّ “ذكاء” الدويلة خانه هذه المرّة وقاده إلى رهان مبالغ فيه على “حِلم” الأمير وتسامح سلطات البلاد وعدم اكتراث السلطات السعودية.

وفيما جاءت كلمات وزير شؤون الديوان الأميري الكويتي علي الجراح في ردّه على الدويلة واضحة في وصف ما قاله بشأن نقله إلى أمير البلاد ما دار بينه وبين القذافي، وادّعائه أنّ الأمير طلب منه إبلاغ الملك سلمان “محض تقوّل وافتراء على المقام السامي”، لم يَقِلّ ردّ الجانب السعودي على القيادي الإخواني حدّة وصرامة ووضوحا، حيث وصف عساف بن سالم أبوثنين العضو في مجلس الشورى، المدير السابق لمكتب الملك سلمان حين كان أميرا لمنطقة الرياض تصريحات الدويلة بـ”المزاعم”، موضّحا أنّ “الدويلة كان يحضر بين الحين والآخر استقبال أمير الرياض في مجلسه بالإمارة، شأنه شأن الآلاف من المواطنين ومواطني دول مجلس التعاون، وكانت كل أحاديثه تختص بأمور خاصة بعائلته والأحاديث العامة وطلبات شخصية، ولم يتطرق بتاتا لأي موضوع يختص بلقائه مع القذافي واستهدافه للمملكة.

وتابع “لست وحدي من حضر هذه اللقاءات العامة، وإنّما عدة مسؤولين في إمارة الرياض والدولة، وكل هذا موثق رسميا، مما يؤكد أن ما قاله الدويلة عار عن الصحة ومحض كذب وافتراء على مجلس مولاي الملك”.

لقد مثّلت قضية الدويلة التي تتّجه نحو أخذ طريقها إلى أروقة القضاء الكويتي نموذجا عن “التذاكي” الإخواني الذي أتاح، رغم بساطته، لفرع الجماعة في الكويت أن يتجاوز العديد من المطبّات وأن يواصل وجوده المريح في كنف الدولة الكويتية وأن ينعم بخيراتها ويستغلّ مقدّراتها.

وكان من أصعب الظروف التي واجهها إخوان الكويت تلك التي ارتبطت بموقف غالبية قيادات وفروع التنظيم الدولي للإخوان المتعاطف مع النظام العراقي السابق بقيادة صدام حسين في غزوه للكويت مطلع تسعينات القرن الماضي، ورفضها الاستعانة بالقوات الأميركية لاستعادة البلد من سيطرة القوات العراقية.

وأدركت قيادات الفرع الكويتي المرتبط رسميا مع التنظيم الدولي للإخوان منذ أواخر سبعينات القرن الماضي فداحة الأمر وخطورته، خصوصا في ظل حالة الغضب الرسمي والشعبي الشديد تجاه كلّ من أيّد صدّام ودعّم موقفه بأي شكل من الأشكال، وأيقنت بأن ارتباطها بالتنظيم الدولي يضعها أمام المساءلة شعبيا وقضائيا، فكان إعلان فكّ الارتباط، ولو صوريا، هو أنسب الحلول وأقلّها تكلفة.

وعن ذلك يقول مبارك الدويلة الذي يعتبر أحد مهندسي حيلة فكّ الارتباط إنّ “الإخوان المسلمين في الكويت انتهوا كتنظيم في مارس 1991”، مضيفا في إحدى المقابلات التلفزيونية “التنظيم تم إنهاؤه في هذا التاريخ وتحول إلى الحركة الدستورية الإسلامية”.

ويستدرك موضّحا “الحركة تحمل نفس الفكر ونفس المنهج، وما تغير هو الانتماء.. فنحن ظللنا الإخوان المسلمين في الكويت بعد أن قطعنا الاتصال بالتنظيم الدولي بسبب موقفه من غزو الكويت”.

تحت مجهر الملاحظة

ارتباطات على حساب أمن الكويت
ارتباطات على حساب أمن الكويت 

لقد كان فكّ الارتباط بشكل لفظي وبمجرّد إعلان التبرّؤ عبر وسائل الإعلام أمرا يسيرا على إخوان الكويت، ومع أنّهم لم يستطيعوا في يوم من الأيام إثباته بشكل عملي، فقد تمكّنوا من تجاوز عثرة التسعينات والحفاظ على امتيازاتهم الكبيرة المتأتية من وجودهم في بلد ثري ومستقر عاش لفترات طويلة بحبوحة مالية كبيرة استفاد منها الإخوان بشكل مباشر خصوصا وأنّ عملهم تركّز في جزء كبير منه على العمل “الخيري والاجتماعي” وجمع التبرعات في مجتمع يتميّز بالثراء وفي بلد لا يفرض أي نوع من أنواع الضرائب على مواطنيه.

ولم يكن الوعاء السياسي الجديد الذي أنشأه الإخوان لنشاطهم في الكويت أقلّ خطورة وتآمرا على البلد. وبمجرّد اندلاع موجة الربيع العربي التي ركبها الإخوان للوصول إلى السلطة في أكثر من بلد عربي من تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا، كانت الحركة الدستورية الإسلامية “حدس” في قلب الاضطرابات التي حاولت جهات معارضة تفجيرها في الكويت سنة 2011 وبلغت أوجها في خريف العام نفسه مع اقتحام مجموعة من النشطاء السياسيين بصحبة عدد من أنصارهم لمبنى البرلمان.

وكان من بين الشخصيات القائدة لعملية الاقتحام تلك القيادي في الحركة الدستورية الإسلامية جمعان الحربش الذي صدر ضدّه بعد سنوات من ذلك حكم بالسجن لمشاركته في العملية لكنّه تحصّن من الملاحقة القضائية بالفرار إلى تركيا بينما حاولت حركته الضغط من داخل مجلس الأمّة (البرلمان) لإصدار عفو على المدانين في قضية الاقتحام بهدف تبييض صفحتهم لكنّ السلطات تمسّكت بعودة الفارين منهم إلى البلاد ودخولهم السجن لفترة وجيزة ومن ثم طلب عفو خاص من أمير البلاد لكل مدان على حدة.

فهد الشليمي: جَرِّمُوا تنظيم الإخوان الدولي وفرعه المحلي ومن يتبعه ويدعمه ويموله
فهد الشليمي: جَرِّمُوا تنظيم الإخوان الدولي وفرعه المحلي ومن يتبعه ويدعمه ويموله

كذلك شارك إخوان الكويت في ما عرف بمظاهرات كرامة الوطن، وفي تظاهرات تضامنية مع المعارض مسلم البراك الذي اشتهر بإساءاته لأمير البلاد والتي لوحق أمام القضاء بسببها.

وخلال السنوات التالية، ومع نجاح السلطات الكويتية في احتواء الاضطرابات، شارك إخوان الكويت في معركة الاعتراض على تغيير القانون الانتخابي من تعدّد الأصوات للناخب الواحد إلى نظام الصوت الواحد لكل ناخب، وهو النظام الذي خشي الإخوان من أن يحدّ من وصولهم إلى المؤسسة التشريعية فشاركوا في مقاطعة الانتخابات البرلمانية بدءا من دورة سنة 2012 بالاتفاق مع شركاء سياسيين آخرين، لكنّهم أعلنوا سنة 2016 العودة عن قرارهم واستئناف مشاركتهم في الانتخابات وسط اتهامات لهم من شركائهم في قرار المقاطعة بالخيانة والخذلان والانتهازية.

إنّ فكّ الارتباط مع التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين لم يكن سوى حيلة لجأ إليها إخوان الكويت كجزء من مبدأ التقية الذي تطبّقه الجماعة بدأب وإصرار خلال ممارستها للسياسة في مختلف الأقطار العربية وتجيز بموجبه لقادتها ممارسة الكذب على غرار ما قام به مبارك الدويلة عندما ضاقت به السبل ولم يجد مخرجا من ورطة التآمر مع القذافي، سوى الافتراء على الأمير صباح الأحمد والملك سلمان بن عبدالعزيز، ليعمّق بذلك ورطته وورطة جماعته التي أصبحت أكثر من أي وقت مضى تحت مجهر ملاحظة المجتمع والدولة الكويتيين، فضلا عن سوء سمعتها في المنطقة وتصنيفها من قبل عدّة دول كتنظيم إرهابي.

فتردُّد عناصر ورموز الفرع الكويتي من الجماعة على إسطنبول وإقامتهم فيها واتّخاذ بعضهم لها مهربا من الملاحقة القضائية، واتصالاتهم هناك بإخوان مصر واليمن وغيرهم، تنسيق دولي بامتياز وفي صلب انتمائهم للتنظيم الدولي بشكل عملي.

وكذلك إنشاؤهم شبكة لتمويل إخوان مصر تمتدّ من الكويت إلى القاهرة مرورا بإسطنبول لا يمكن تصنيفه ضمن التزامهم بإعلانهم فكّ الارتباط المزعوم.

لقد جاء الردّ الرسمي الحازم على ادّعاءات مبارك الدويلة والرفض القاطع للزج باسم أمير البلاد في قضية لا تخصّ سوى جماعة الإخوان ودسائسها ومؤامراتها العابرة للحدود، بمثابة رسالة جديدة بشأن انتهاء مرحلة التسامح المبالغ فيه مع الإخوان والسماح لهم بالاختباء تحت جبّة الدولة ومظلّتها.

دور التيار المدني

كان إخوان الكويت قد تلقّوا قبل ذلك إنذارا شديدا عندما أصرّت السلطات على متابعة قضية الخلية الإخوانية المشكّلة من عناصر مصرية فارّة من القضاء المصري وكانت تدير شبكة لنقل الأموال متصلة بتركيا وتحظى بمساعدة شخصيات محلّية.

ولم تثن الضغوط السياسية والحملة الإعلامية الإخوانية سلطات الكويت عن تسليم المقبوض عليهم إلى مصر بموجب الاتفاقيات المشتركة بين الجانبين، واستنادا إلى “التنسيق والتعاون الأمني الكويتي المصري الكبير” من منطلق أنّ “أمن البلدين كل لا يتجزأ”، وفق تعبير نائب وزير الخارجية الكويتي خالد الجارالله.

وأغلقت الكويت بتسليمها عناصر تلك الخلية الإخوانية للسلطات المصرية، الباب أمام عناصر الإخوان الفارين من مصر لاتخاذ الأراضي الكويتية ملاذا آمنا لهم. ونُظر في الداخل الكويتي بارتياح لعملية الكشف عن الخلية الإخوانية وتوقيف عناصرها وتسليمهم لمصر، وذلك خصوصا من زاوية لفت النظر لدور الإخوان في البلد وتهديدهم لمصالحه العليا وتوظيفهم مؤسسات الدولة وأموالها في خدمة تنظيمهم الدولي.

وتحظى الانتباهة الكويتية للإخوان وخطرهم على الدولة وعلاقاتها الإقليمية، بدعم قوي من التيار المدني الذي أصبح أعلى صوتا وأكثر إلحاحا في مطالبته بمعالجة الوضع الشاذّ الذي يتيح لجماعة الإخوان هامشا واسعا من الحركة واستغلال مقدّرات الدولة في التآمر عليها وعلى محيطها الخليجي والعربي.

وتجلّى دور التيار المدني الكويتي مجدّدا في حملة الردّ القوية على مبارك الدويلة وعلى الجوقة الإخوانية التي هبّت لمساندته والدفاع عنه في الورطة الأخلاقية والقانونية التي وقع فيها.

ورأى أحمد نبيل الفضل النائب بالبرلمان الكويتي أنّ ما انكشف بشأن محادثة مبارك الدويلة مع القذافي يعرّض الكويت لإحراجات إقليمية هي في غنى عنها. وأضاف في تغريدات عبر تويتر “بعد نفي الديوان الأميري لافتراءات مبارك الدويلة بشأن لقائه مع القذافي بات لزاماً على أمن الدولة التحقيق مع المدعو بتهمة التخابر مع دول أجنبية لهز استقرار البلد ونظامه”.

ويحذّر فهد الشليمي رئيس المنتدى الخليجي للأمن والسلام، في معرض تعليقه على قضية الدويلة، من سيطرة الإخوان على فضاء التواصل الاجتماعي، وشنّهم الحملات على أعضاء الحكومة الكويتية وخصوصا وزراء الأسرة الحاكمة واستخدامهم نصوص الدين من قرآن وأحاديث نبوية لتزيين أفعال عناصرهم والدفاع عنهم معتبرا ذلك مظهرا لعدم ولائهم للدولة ووضعهم الولاء الأيديولوجي والحزبي فوق كل اعتبار.

وعن ادّعاء فك الارتباط بالتنظيم الدولي يقول الشليمي، إنّ إخوان الخليج ومن ضمنهم إخوان الكويت، عبارة عن خزنة مالية يفتحها التنظيم العالمي للإخوان ويأخذ منها ما يشاء من الأموال.

ويصف إخوان الكويت بالـ”بارعين في المراوغة” قائلا إنّهم يعملون ضدّ البلد وحكامه ويشيعون التوتّر ويشقّون المجتمع. وعن علاقتهم الملتبسة بالدولة يكشف الشليمي عن وجود مزاج حكومي مضاد للإخوان، لكنّه يأخذ على المسؤولين التعامل مع خطرهم بمنطق سياسي لا بمنطق أمني.

كما يعبّر الشليمي عن أمله في أن يكون ما دار بشأن قضية مبارك الدويلة جرس إنذار من خطر تنظيم الإخوان المسلمين العالمي والمحلي داعيا سلطات بلاده إلى تجريم التنظيم الذي يصفه بالإرهابي، وكل من يتبعه ويدعمه ومن يموّله.

13