لعبة اقتناص الزمن

الأحد 2015/04/26

وردت في بعض الأساطير فكرة البراءة الاولى القائلة بأن الانسان نُفيَ من عهد البراءة – فسقط في المتاهة الكبرى: الزمن ليجد نفسه بلا دليل ولا علامة تأخذه إلى طمأنينة القلب وما لبث بعد أن اثقلت كاهله رحابة الحرية والزمن اللانهائي أن وضع نفسه طوعا منذ تلك اللحظة في قفص التاريخ وشرع يقسم المواقيت، صار أسير الزمن المحدود المقنن بعد ان كان سيد الهيولى وحاكم الزمن السائل الدفاق يغترف منه بلا حساب ودون محاسبة من التقاويم وما تبعها من أغلال السلطة، صار الانسان أيضا رهينة البيت الذي استعبده بالاستقرار المريح والبليد في أحيان كثيرة، وأمسى يتساءل بدافع وجودي محض: لماذا يستقر المرء في المكان والزمان والحياة تتبدد كل آونة؟

مرارا كرر المتمردون السؤال عن تحايل الحكام ولعبهم بمادة الزمن، ومرارا جوبهوا بالخذلان من أهل السلطة الذين يستخدمون الزمن لصالح ديمومتهم ويلعبون بفكرة الفترات الزمنية كمشروع الخمس سنوات أو الأيام المائة أو الفترات البرلمانية لامتصاص نقمة المحرومين والتحايل عليهم للتلبث في مواقع السلطة..

تقدم الحياة نفسها خارج التقاويم بلا تعهدات أو مقدمات مثل ريح جامحة، أو كزهور البراري، تتفتح وتتألق وتجف وحدها وتنثر بذورها في عراء العالم لتعاود الظهور مرارا في دورتها الأبدية .

لا تتحمل الحياة الطليقة القياسات، لا تحب حبس الزمن في التقويم، لكن البشر المرتعشين خوفا من الموت يحاولون اقتناص الزمن وتدجينه في التقاويم كوسيلة شعائرية لدرء خطر الموت المتربص، يتوهمون امتلاك الزمن والتحكم بالأفق الذي يطل الموت عند حافاته القصوى، تقويم البوذية لا يبدأ من لحظة حياة وقيامة بل من سنة موت بوذا، وكأنه تعويذة للعود الأبدي، نقيض التقويم الميلادي الذي يؤشر ميلاد السيد المسيح .

روزنامة القمر أول تقويم بشري ظهر في مدينة نيبور ”نفر” السومرية قبل نحو سبعة الاف عام استخدم فيه السومريون تحولات القمر ووجوهه واحتوى التقويم الذي وجده المنقبون في نفر على أرقام السنوات المتتابعة، وليس غريبا على العراقيين القدامى ان يستكشفوا السماء ويتعلموا منها حساب الزمان فهم الشعب الوحيد ربما في هذه الأرض ممن ينامون على سطوح المنازل هربا من حر الصيف اللاهب وتتلألأ لياليهم بالنجوم وتسحرهم وتشغلهم حركة الافلاك، المتعبدون والعشاق يجافيهم النوم غالبا فيكتب العاشق ليله شعرا ويعمد الكاهن إلى حساب الزمن ليفتح المعبد فجرا ويقيم العبادة ويحرق البخور ويجمع عطايا الخائفين من غضب الآلهة..

السومريون كانوا صيادين ومزارعين وملاحين دفعتهم مواجهتهم الدائمة للأنواء الى اختراع تقويمهم القمري واكتشف السومريون ومعهم المصريون أن العالم يتجدد دوريا وأن نشأة الكون ستتكرر شعائريا كل سنة جديدة في ثقافتهم، فقد خبرت هذه الثقافات تجربة الزمن الكوني في الأعمال الزراعية، ثم انتهى بها الأمر بفرض فكرة الايقاع الكوني: ولادة، موت، وعودة للحياة.

يقول العلم: فكرة الزمن غير واردة في الفطرة البشرية، فالرضيع يعيش في الحاضر وهو بلا ماض ولا يمكنه تصور المستقبل، وتختلف فكرة البشر في الثقافات المختلفة عن الزمن: فلغة هنود أميركا من قبائل هوبي المسالمة تفتقر تماما إلى الصيغ الزمنية للدلالة على الماضي والحاضر والمستقبل فهم يعيشون في "حاضر لغوي" مستمر بلا انقطاع وتتمحور فكرة الزمن لديهم حول حصاد الذرة أو ولادة المواشي فكان الانسان الفطري يعيش البرهة المخلدة أو برهة الأبدية الممتدة بلا قياس وبلا بداية أو نهاية كما تطرحه ما بعد الحداثة عن فكرة سيولة الزمن.

كاتبة من العراق مقيمة في عمان

11