لعبة الأمم

الخميس 2014/03/06

مازلت تحت تأثير كلمات “شعدون” الكبيرة، التي تتساقط عليّ كألواح من السماء، وتثقب الفكرة والتفكير في رأسي، وكأني أرى الصورة بغير رؤية، وكأني أعيد قراءة التاريخ من جديد، وأكتبه بطريقة “شعدون” في تفسير الأحداث، فجأة انسابت الكلمات من قلمي، وكأني أخط خطابا ألقاه شعدون عليّ: منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم لم تكن ثورة في العالم -بما فيه الوطن العربي- من صنع تلك الشعوب، حتى الثورة الفرنسية يعزوها البعض إلى أميركا، وإن ظنت الشعوب أن ذلك ما يريدون، فتلك أوهام غرسها فيهم خونة وعملاء محليون، حتى غاصت الشعوب فيها إلى أذنيها!

ففورة إطاحة الجيوش بالملوك في منتصف القرن العشرين، لم تكن من صنع تلك الجيوش، بل من صنع أميركا بشكل أو بآخر، هذا ليس ما أقوله أنا، لكن هذا ما كتبه رجل الاستخبارات الأميركي “مايلز كوبلاند”، منذ زمن بعيد (1970) في كتابه “لعبة الأمم”.

وهاهي الرحى تدور مرة أخرى، وبنفس وتيرة ثورات القرن العشرين، ثورات في كل مكان من جنوب شرق آسيا إلى شرق أوروبا، وبقع متفرقة من أفريقيا، وبينهم الدول العربية، فهي ليست حكرا على دول الربيع العربي، فسحر الديمقراطية وحلم العولمة السياسية يمارسه حتى أولئك البعيدون عن السياسة، لأنهم يصغون ويهيمون لكل ما يقوله أو يفعله الرجل الأبيض. “وعلى عينك يا تاجر” تقف أميركا لتؤيد المعارضين، كما أيّدت الانقلابات العسكرية سابقا، لكن الفرق هذه المرّة أن شرارة هذه الثورات بدأت في الدول العربية، ولم تنته بها كما كانت في القرن العشرين.

تقنية التحريض اختلفت عمّا كانت عليه نتيجة للتطور التكنولوجي، فاليوم برامج التواصل الاجتماعي هي الشرارة التي تنشر اللهب في الهشيم الأُميّ، أما في منتصف القرن العشرين فإن إذاعة “البي بي سي” هي من لعب ذلك الدور، لأنها كانت الإذاعة العالمية الوحيدة واسعة الانتشار حينها، لكن الفرق بينهما أن برامج التواصل الاجتماعي حثت على الثورات بشكل مباشر، بينما الإذاعة -كما هي اليوم- حثت عليها بشكل غير مباشر، من خلال تمجيد الثورات في البلدان البعيدة من أدغال أميركا الجنوبية إلى أدغال أفريقيا، وتمجيد ثوارها كأرنستو تشي جيفارا، الثوري الكوبي.

ما يزعجني أن ثوار الربيع العربي يحسبون أنفسهم جيفاريين، ويتشبهون به، بينما لا أظن أنهم يعرفون عنه أكثر من اسمه الثوري، متناسين أنه لم يحطم حتى كأسا في بلده، وليس تدميرها بالمفخخات، ودعوة كل من يستطيع حمل السلاح في العالم ليقتل أبناء وطنه، هم لا يدرون أن جيفارا ماركسي، أي أنه بعيد كثيرا عن الرأسمالية التي تتبناها الديمقراطية الغربية، فهم مغيّبون يتذكرون أشياء من مناهج المدارس في السبعينات، ويكرّرونها على القنوات التلفزيونية ويطالبون بقصف دولهم!!

في منتصف القرن الماضي وربما على حسّ جيفارا قضي على الدول الملكية في مصر والعراق وسوريا وليبيا والجزائر، واليوم على حسّ الديمقراطية قضي على الرؤساء الذين أتت بهم تلك الانقلابات في ذات الدول، باستثناء العراق الذي قضي عليه باسم الحرب على الإرهاب، والجزائر التي تلعب خارج كل الدوائر العربية.

ظهر لي وجه “شعدون” باسما على صفحة دفتري وقال: كل هذا وأنت تدّعين بأنك خارج الحقل السياسي! ردّدت متمتمة: لم أكن كما تراني، حتى ظهرت أنت لي من كتاب نظرية الفوضى!

ثم التفتّ إليه مكملة: ميزة الإدارتين الأميركية والبريطانية أنهما تفرجان عن ملفات بعض الوقائع كل عشرين أو خمسين عاما، أي في عام 2031 أو 2061 ستظهر ملفات أو تطبع كتب من العاملين في الاستخبارات الأميركية أو الغربية، تخبر كيف سارت الأحداث أثناء ثورات الربيع العربي، برغم التفسيرات التي نسمعها اليوم من المهتمين والمختصين هنا وهناك، إلا أن طعمها حين تكتب على شكل مذكرات من الداخل الاستخباراتي الغربي يكون أزكى وألذّ طعما.

فكتاب “لعبة الأمم” لا يشرح تاريخ منطقة الشرق الأوسط في تلك الفترة الحرجة فقط، التي أطلق عليها الكاتب: الحرب الأميركية العربية الباردة 1958/1950، لكنه أيضا يؤيد شيئا توقعته منذ أن بدأت قراءة ثورات الربيع، وتبينت أن تلك الثورات كانت تدبيرا من الغرب، فجاء هذا الكتاب ليؤيد حدسي، هذا طبعا غير المعلومات التي تتسرّب على المواقع الشبكية من المتواصلين مع الغرب (المجندين)، الذين تمّ إغراؤهم بالمال والسلطة ليقوموا بالتغيير المطلوب.

قاطعني: لا تنسي أن حملة أوباما الانتخابية كانت تحت شعار “التغيير”، الغافلون اعتقدوا أنها التغيير داخل أميركا، لكن الوقائع بيّنت أنها تغيير الخريطة السياسية للعالم، مبتدئة بالعالم العربي، وهذه طريقة أميركا في السيطرة، وخاصة على العالم الثالث، بهذه الإستراتيجية ستحتفظ بسيطرتها، وستظل متقلدة قمته، لكن لو استقرت دول العالم، قد تصحو إحداها صحوة ذاتية وتقوى، حينها قد تفقد أميركا التحكم في اللعبة، لذلك تسعى إلى إلهاء تلك الدول بالصراع فيما بينها وجيرانها، أو في تغذية الصراع فيها بين القبائل، أو بين الشعوب والحكام.

لم أستطع أكثر من هز رأسي بالموافقة، فمنذ أن ظهر لي “شعدون” من كتاب “الفوضى” وأنا منقادة لقوله، فالمشهد أخّاذ بالنسبة إليّ، ما بالك بأن يغوص بي أحدهم في عوالم لم أحلم يوما أن أبحر فيها!

16