لعبة الأمم وقواعدها

الخميس 2014/04/17

لما رأيت شعدون يظهر من طيات ملف الـ”بي دبي أف”، لكتاب لعبة الأمم لرجل الاستخبارات الأميركي مايلز كوبلاند، أصبت بشيء من الدهشة ممزوجة بدوار، ابتسمت متعجبة من حيله، ونظرت لعينيه أبحث عن معنى، فباشرني بالسؤال عن موضوع المقال القادم، تململت من أسلوبه النحاسي والصلب، البعيد عن الود، ثم أجبته بنفس جموده: مازال في كتاب لعبة الأمم أمور أودّ سردها، لكني مرتبكة في طريقة الطرح؟

غاص في طيات الكتاب وهو يسألني: ما الذي تريدين أن تورديه في مقالاتك؟

أجبته: أريد أن أكتب تعريف لعبة الأمم، وأسرد قواعدها، ثم أدرج دور أميركا في تمكين وتقويض الحكومات في الشرق الأوسط. سار على صفحات “البي دي أف”، وتوقف عند التعريف، ثم قام بطباعته على برنامج الوورد:

“تضمّ لعبة الأمم مجموعة من اللاعبين، كل واحد منهم يحاول الفوز طبقا لما هو مرسوم له، ويمنح كل لاعب الحقائق المعروفة والخاصة بموقف معين -أي الحقائق المفروض أنها معروفة للحكومة التي يمثلها اللاعب- وعندئذ وعلى أساس فهم التقديرات التي هي في متناول يده والقيود الموضوعة على تصرفه، يقرر هو ما يستوجب عمله، لكن قبل أن يؤدي دوره في اللعبة، يتوجب عليه معرفة دور الزعيم القومي الذي سيؤديه، ومعرفة مواطن القوة والضعف فيه”.

تدخلت قائلة: هل هذا يفسر اختلاف شخصيات الرؤساء الأميركان، ويفسر اختلاف سياسة كل منهم في تنفيذ الإستراتيجيات الأميركية؟

أومأ بنعم، وأضاف: وهذا يفسر اختلاف شخصيات الزعماء الآخرين في العالم أيضا، لكن البشر بما فيهم رجال السياسة القوميون يتصرفون في بعض الأحيان بطريقة لا يمكن التنبؤ بها، وقد يفشلون في الالتزام بالمناهج المتعلقة بالعمل المتوجبة عليهم، التي ليس لهم فيها -في بعض الأحيان- أي مجال للاختيار سوى اتخاذها، بناء على مذكرات معلوماتية تحتوي على معلومات خام تغذي اللعبة التي يلعبونها، وهذه المواد مستمدة من مذكرات وزارة الخارجية، ومذكرات وكالة المخابرات المركزية، وأماكن أخرى.

وبطبيعة الحال، ليست كل المعلومات التي تصل إلى هذه الدوائر دوما صحيحة.

نحيته جانبا وصرت أسير على صفحات “البي دي أف” مثله، فوجدتني أضيف ما يلي: الصفة الأساسية التي يجب توفرها لكي تكسب اللعبة هو أن تكون واحدا فيها، والفائز في لعبة الأمم هو الشخص الذي لا يفقد أعصابه، والذي لا يترك الطريق مفتوحا أمام الآخر ليأخذ مكانه، والخدعة أمر هام في أية لعبة، بدءا بالقمار مرورا بالحرب، وانتهاء بالسياسة، وكل لاعب يبذل أقصى ما بوسعه ليستطيع أن يكسب، حتى مع أولئك الذين تربطه بهم مواثيق تعاون، لأنه إن وجد أنه لا يمكن تحقيق الفوز معهم، عليه تغيير اللاعبين.

التفت إلى شعدون متسائلة: آها، ألذلك أيد الأميركان الإطاحة بحسني مبارك، بالرغم من أنه لم يكن يعصي للأميركان أمرا!

رمقني بنظرة تشي بالموافقة، وقال وهو يسير فوق صفحات الكتاب الألكتروني: لننقل حكاية نشأة مركز الاستخبارات الأميركية كما سردها الكاتب، التي تكونت برئاسة الكولونيل دوفوفان الجاسوس المحترف الرسمي، وشملت مجموعة متباينة من الأشخاص، يحاكون طريقة شارلوك هولمز في تقصي الأخبار والبحث عن الأسرار، من بينهم العالم والباحث والمالي وسمسار البورصة والرياضي والموسيقي وأستاذ الجامعة، حتى وبعض الشيوعيين أيضا. ثم قال مبتهجا، وهذه ثلاث قواعد للعبة كما يعرفها الأميركان، دعينا ننقلها على ذمة الكاتب:

أولا: تعتبر الأحكام الأخلاقية - بالنسبة للأميركان- ذات قيمة عندما تكون متصلة فقط بالمستويات الأخلاقية المعترف بها، والخاصة بالدول المختلفة بما في ذلك الداخلة في اللعبة، ولا يستخدم الأميركان المستويات الأخلاقية الخاصة بهم، إلا عندما يتنبؤون بالأفعال وردود الأفعال من جانب حكومتهم، وأسلوب “أن الشيء الحسن حسن والشيء الرديء رديء” غير مسموح به عند التفكير في اللعبة المكيافيلية، ولقد قضى الأميركان الكثير من الوقت، محاولين التعرف على الخلفية الأخلاقية لتصرفات زعيم قوي، بصفته معارضا لما يؤمن به السياسيون أو الزعماء الدينيون، وما تردده الصحف في تلك الدول.

ثانيا: يفترض الأميركان -ما لم يثبت العكس- بأن الهدف الأساسي للزعيم القومي هو أن يظل متوليا السلطة ولكن إذا لم يستطع، عليه أن يعتزل إذا ما تعرض لأقل قدر من الخسارة الشخصية، أو ما يراه خسارة بالنسبة إليه.

قفزت هنا قائلة: إذن بالمقاييس الأميركية لم يكن “مرسي” قوميا على الإطلاق، فلقد فضل مصلحته الشخصية على الوطن، حين رفض التنحي عن السلطة، بالرغم من مطالبة 22 مليون مصري وقعوا على عريضة تطالبه بذلك، ناهيك عن الملايين التي خرجت تتوج تلك المطالب، وكانت ردّة فعل الأميركان التركيز على شرعية الصندوق، أو رجلهم في الحكم، ولم يركزوا على ما يريده الشعب!

قاطعني قائلا: لا تنسي ما قلته سابقا، إن أميركا في مصر وقفت وراء الضدين، فحين اعتبر الموقف الرسمي ما حصل إرادة الشعب المصري، وقف “مكين” في مؤتمر صحفي في القاهرة ليؤيد الإخوان، وكأن أميركا تقول للضدين أنتما صح، وكل ما عليكما هو قتل بعضكما البعض، فصارت المذابح. ثم أكمل القراءة:

ثالثا: يفترض الأميركان -ما لم يتضح عكس ذلك- بأن على الزعيم الوطني أن يتصرف بما يتفق ومصالح بلده، وأن يؤمن وبإخلاص أنه صاحب قضية عادلة، عندما يتولى شرح أعماله للعالم. فختمت: وبهذا الشكل بالضبط يتصرف زعيم المستقبل، ورئيس مصر القادم عبدالفتاح السيسي.

16