لعبة الإخوان خارج الحدود

الاثنين 2013/10/21

يخطىء من يعتقد أن معركة جماعة الإخوان السياسية مع السلطات الرسمية قاصرة على المظاهرات والمناورات داخل مصر. فاللعبة لها أبعاد دولية، بدأت تتكشف معالمها خلال الفترة الماضية في بعض المحكات الخارجية، للإيحاء أن للجماعة أظافر تستطيع «الخربشة» بها، وقدرة على تكبيد النظام الحالي والمتعاطفين معه، من النخب السياسية والثقافية والأدبية والفنية وحتى الرياضية، خسائر فادحة.

وفي خضم انفعالها الزائد وارتباك صفوف قياداتها وكوادرها، أقدمت الجماعة على تصرفات وحماقات، أكدت أنها فقدت جزءا مهما من رشادها، سيضاعف في المستقبل القريب من التكاليف التي تدفعها في الداخل، والتبعات التي سوف تتحملها في الخارج.

ثلاثة تصرفات مختلفة في ثلاث دول متباينة، قامت بها عناصر محسوبة على جماعة الإخوان في الآونة الأخيرة، أشارت إلى أن خصامها مع السلطات الحاكمة في مصر بلغ حدا تلاشت فيه الحدود الجغرافية والوطنية، وبقي فقط حد الانتقام وما يصاحبه من أخطاء ونتائج قد تنهي خرافة الجماعة في الخارج، وما حصلت عليه من مساعدات سياسية متنوعة، ومساندة معنوية كبيرة، منحتها قوة رمزية معتبرة.ففي أيلول الماضي تعرض وفد فني مصري كان في زيارة للسويد لاعتداء بدني ولفظي من قبل عناصر مصرية وعربية إخوانية.

والحادثة الثانية، وقعت في غانا يوم 15 تشرين الأول الحالي، أثناء لقاء المنتخب المصري لكرة القدم مع المنتخب الغاني في تصفيات كأس العالم، حيث رفع بعض الأفراد شعارات رابعة في المدرجات، وقاموا بتوزيع «تيشيرتات» تحمل علامة رابعة على عدد من جماهير الفريق الغاني، وهتفوا ضد المنتخب المصري، وفرحوا بهزيمته القاسية.

والحادثة الثالثة، وقعت يوم 16 تشرين الأول الجاري بمعهد العالم العربي في باريس، أثناء ندوة للأديب علاء الأسواني، وخلالها تعرض الكاتب لسيل شتائم من عناصر تنتمي أيضا للإخوان، مصحوبة بشعارات ضد المؤسسة العسكرية الوطنية.

الوقائع السابقة متفرقة وفي مجالات مختلفة، لكن المعنى السياسي الذى تحمله واحد. فجماعة الإخوان مصممة على أن تكون مواجهتها مع الدولة المصرية شاملة، بكل رموزها الفنية والثقافية والرياضية. وهو ما ينطوى على دلالات دقيقة.أبرزها؛ التصميم على تقسيم الشعب المصري بين إخوان، وبين غيرهم من القطاعات والأحزاب، بدليل استهداف المبدعين في شتى المجالات وتحميلهم أية ضغائن موجودة في نفوس عناصر الجماعة، ما يفقد الإخوان بعد المواطنة.

من جهة ثانية، يبين هذا النوع من التصورات زوال الحدود الجغرافية للمواجهة، وعدم اقتصارها على عناصر محلية فقط، بل هناك جنسيات متعددة شاركت في الجرائم الثلاث السابقة. وهنا يظهر بجلاء البعد الأممي في فكر الإخوان، ومن يتابع بعض وسائل الإعلام الناطقة بالعربية سيجد تعاطفا لافتا مع إخوان مصر من نخب تنحدر من جنسيات عربية مختلفة.

وهناك دلالة، تتعلق بالتخطيط والرعاية التي تحظى بها هذه التحركات، ومن يدقق في طبيعة الممارسات التي صاحبت كل فعل يجد أن هندستها تمت بإتقان، من حيث الاستعدادات والخداع وحتى الحجج التي جرى ترويجها لتبرئة الإخوان.

إذا كانت هذه المواقف حملت أن جماعة الإخوان عابرة للحدود، ولديها أذرع تضرب بها، فإنها أيضا بعثت بمجموعة من الرسائل التي تضر بسمعة الجماعة. والعالم سيتأكد أن خطابها الناعم حافل بالمعاني الإرهابية.

فالتحركات الثلاثة اتسمت بالشغب والعنف، وبدت ضد قوانين وأعراف البلاد التي وقعت فيها. وقد أكد رئيس الإذاعة الفرنسية بعد الاعتداء على الأسواني أن بلاده تشهد لأول مرة إلغاء ندوة بهذه الطريقة. وفي النهاية تعزز موقف السلطات الحاكمة في مصر، بأنها تواجه جماعة غير متحضرة ولا تعطي قيمة للفكر والثقافة والفن والرياضة، وأن المواجهة الأمنية التي تخوضها الدولة ضد الإخوان لها ما يبررها، فإذا كانت لم تخجل من ممارسة العنف خارج البلاد، فهي حتما قامت وستقوم به بقوة داخل مصر.

الشاهد أن جماعة الإخوان لن تتوقف عن المظاهرات والاحتجاجات في الداخل أو الخارج، وسوف تمضي في طريقها، ليس فقط لأنها لا تملك جرأة المراجعة والتسليم بالمقتضيات التي يفرضها الواقع، لكن لأن هذه الخطوة سوف تضع قيادات الجماعة محل محاسبة من عناصرها وسخط من المخدوعين في الخطاب الذى يدغدغ المشاعر.

كما أن رهانها على عدم استبعاد حدوث تفسخ في جسد السلطات الرسمية كبير. فجماعة الإخوان لديها يقين أن تحركاتها في الشوارع وتعطيل حياة المصريين سيحمل الحكومة عبئا يجعلها غير قادرة على الاستمرار في المجابهة، وبالتالي هناك احتمال أن يثور عليها المصريون مرة ثالثة، وتعود الكرة إلى حجر الإخوان مرة ثانية.

المشكلة أن الخيال الواسع بلغ درجة عالية من الثقة في احتمال تطبيق هذا السيناريو. لذلك تبالغ الجماعة في مطالبها بشأن المصالحة، وتضرب عرض الحائط بأي عروض سياسية واقعية. والمشكلة أن لعبتها خارج الحدود تتم بزعم أنها صاحبة قضية. وحتى لو اصطدمت بالقوانين المحلية، لديها اعتقاد أن هناك مساندة معنوية غربية يمكن أن تخفف عنها أي مساءلة قانونية. من هنا سوف يتوقف استمرار اللعبة أو فرملتها، على مدى قدرة الدول الأوروبية على التخلي عن ازدواجيتها السياسية.

_____


* كاتب مصري

9