لعبة "الإطفائي السوري" هل تنطلي على أوباما

الاثنين 2014/08/25

هل يمكن التنسيق في القضاء على “داعش” مع من كان وراء قيام هذا التنظيم الإرهابي؟ هل من يريد الدخول في لعبة النظام السوري، وهي لعبة لا يتقن غيرها وتُختزل بتصديره الإرهاب والمساهمة في تغذيته بغية إظهار نفسه في مظهر من يشارك في الحرب عليه؟ ربّما كان أفضل وصف للأسلوب الذي يتبّعه النظام السوري، هو وصف الإطفائي الذي يشعل النار كي يطلب منه بعد ذلك إطفاؤها.

هناك لعبة اسمها لعبة “الإطفائي السوري”. في كلّ تاريخه، سعى النظام السوري، أيّام الأسد الأب ثمّ الابن، إلى إشعال الحرائق في هذا البلد العربي أو ذاك، خصوصا في لبنان والعراق، كي يُطلب منه إطفاؤها.

كان يطالب في كلّ مرّة بثمن لمساهمته في لعب دور الإطفائي. للأسف الشديد، استطاع في أحيان كثيرة تحقيق مبتغاه بوجود إدارات أميركية رفضت التعاطي مع لبّ المشكلة، واعتبرت أنّ في استطاعة النظام السوري الموجود منذ عام 1970 التصرف بالطريقة التي تخدم مصالحه شرط ضمان أمن إسرائيل وبقاء جبهة الجولان مغلقة بإحكام.

على الرغم من كلّ ما يصدر في هذه الأيّام من تصريحات متناقضة عن مسؤولين في واشنطن وفي دوائر القرار الأميركي، من الصعب، أقلّه من الناحية المنطقية، إقدام الإدارة الأميركية على خطوة تصبّ في اتجاه التعاون مع النظام السوري والتنسيق معه في مواجهة “داعش”. هذا عائد، أساسا، إلى أنّ النظام لعب دورا أساسيا في نشوء هذا التنظيم الإرهابي بهدف واضح كلّ الوضوح.

ولكن، مع إدارة مثل إدارة باراك أوباما لا وجود للمنطق. سبق لهذه الإدارة أن وضعت خطا أحمر للنظام السوري الذي استخدم السلاح الكيميائي في المواجهة بينه وبين الشعب السوري الثائر. استخدم النظام السوري السلاح الكيميائي قبل سنة. قتل مئات السوريين بهذا السلاح في وقت اقترب فيه الثوّار من دمشق. لم يجد أوباما ما يردّ به سوى التراجع والاكتفاء بالاستجابة للنصائح الروسية، أي القبول بنزع السلاح الكيميائي، بدل ضرب مواقع تابعة للنظام. سمح الرئيس الأميركي، بكل بساطة، للنظام السوري بمتابعة حربه على شعبه بواسطة البراميل المتفجرة. صار قتل السوريين مسموحا به شرط أن لا يكون بالسلاح الكيميائي، علما أن ليس ما يشير، بشكل أكيد، إلى أن النظام تخلّى نهائيا عن كلّ ما لديه من مخزون كيميائي.

كان الهدف من قيام “داعش”، برعاية مباشرة من النظام السوري، تصوير الثورة السورية بأنّها حركة “إرهابية”. منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة السورية، تحدّث النظام السوري عن “إرهابيين مدعومين من الخارج”، مركّزا على دول خليجية معيّنة وعلى تركيا. رفض الاعتراف بأن الثورة السورية هي ثورة شعب يبحث عن حرّيته وكرامته لا أكثر. كلّ ما في الأمر أن الشاب السوري الذي شارك في الثورة وجرّ أهله إلى الشارع، كان يريد القول إنّه يرفض العيش، بعد الآن، في ظلّ نظام ذي طبيعة طائفية، نظام عائلي يعتبر السوريين عبيدا لديه. لا مؤسسات حقيقية في سوريا سوى المؤسسات الأمنية التابعة للعائلة الحاكمة التي مهمّتها تركيع السوريين وتحويلهم إلى مجرّد تابعين للعائلة، التي شكّلت ما يشبه مجلس إدارة يشرف على كلّ شيء في سوريا، بما في ذلك الاقتصاد.

كانت هذه العائلة قبل أن تستسلم نهائيا لإيران تعتقد أنّها قادرة على الذهاب بعيدا في إدارة “مزرعتين” اسمهما سوريا ولبنان. كانت تفكّر في كيفية العودة إلى لبنان الذي خرجت منه في 2005 إثر تفجير موكب الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه عن طريق “داعش” آخر، هو تنظيم “فتح الإسلام” الذي صنعته وهدّدت به اللبنانيين والجيش اللبناني. من أين جاء تنظيم “فتح الإسلام”؟ من كان على رأس هذا التنظيم الذي أراد إقامة “إمارة إسلامية” في لبنان؟ هل من يتذكّر شاكر العبسي الذي أُرسله النظام السوري إلى مخيّم البداوي الفلسطيني فور إطلاقه من سجنه السوري؟

كان الهدف من “فتح الإسلام” تصوير شمال لبنان بأنّه مرتع للإرهابيين، وأن هناك حاجة إلى الإطفائي السوري كي لا تكون هناك “إمارة إسلامية” في لبنان. لم تنطل هذه الحيلة على اللبنانيين ولا على أهل الشمال.

في مواجهة الثورة السورية، كان مطلوبا الرهان على نسخة أخرى من “فتح الإسلام” كي يصدّق العالم أن النظام السوري يواجه “إرهابيين” على حدّ إدعائه. ليست “داعش” سوى ارتكاب آخر من ارتكابات النظام السوري. كانت هناك نواة للتنظيم في العراق نفسه أيّام أبي مصعب الزرقاوي الذي أتى التخلّص منه بدعم أردني قبل بضع سنوات. لكنّ “داعش” لم تستطع تجديد شبابها والتوسّع سوريا، إلّا بفضل الذين أطلقوا من السجون السورية والعراقية، بغية السماح لها بمحاربة الثورة السورية من جهة، وتصوير السوريين بأنّهم “إرهابيون” من جهة أخرى.

لاشكّ أنّ “داعش” مرّت بتحولات في الأشهر القليلة الماضية. استفادت خصوصا من إلغاء “حزب الله”، بطلب إيراني، الحدود بين سوريا ولبنان من منطلق مذهبي بحت. ألغت بدورها الحدود بين السنّة في العراق والسنّة في سوريا. الأهمّ من ذلك، أن “داعش” في معاركها الأخيرة التي توّجت بالسيطرة على الموصل وتهجير المسيحيين والفتك بالإيزيديين، وجدت في المحافظات العراقية السنّية بيئة حاضنة. لم تعد “داعش” الحالية “داعش” التي خلقها النظام السوري بمباركة إيرانية.

على الرغم من ذلك، لا تزال “داعش” في خدمة النظام السوري. إذا كانت الميليشيات المذهبية العراقية تقاتل من أجل بقائه بمشاركة من “حزب الله”، فإنّ “داعش” توفّر له ما يمكن أن يحتاجه لتبرير عملية التطهير العرقي التي يقوم بها بواسطة البراميل المتفجّرة وما شابهها. الأهمّ من ذلك، أنّها توفّر للنظام السوري فرصة للإدعاء أنّه في مواجهة “إرهابيين” وأنّ التعاون معه يظلّ أهون الشرور بالنسبة إلى الغرب والولايات المتّحدة تحديدا. هل تنطلي لعبة الإطفائي الذي يشعل النار بغية الاستعانة به لإطفائها على باراك أوباما؟

الأمر ليس مستبعدا كلّيا، خصوصا أن الأميركيين يقصفون “داعش” في العراق، ولا يفعلون شيئا معها في سوريا، بل يتركونها تدعم النظام في المواجهة مع المعارضة المعتدلة الممثلة بـ”الجيش الحر”. لماذا لا يذهب أوباما إلى جذور الإرهاب في داخل دمشق حيث يحتمي أركان النظام السوري من الشعب السوري؟ إنّه السؤال المحيّر الذي يعكس رغبة في الانتهاء من سوريا عن طريق تفتيتها. تلك تبدو المهمّة الأخيرة للنظام السوري الذي يعجز عن استيعاب أنّه انتهى، لكنّه مصر على أن تنتهي سوريا معه. من قال إنّ الإدارة الأميركية، بمباركة إسرائيلية مكشوفة، تعترض على ذلك؟


إعلامي لبناني

9