لعبة الاختلاف

يُبدي الكيبكيون إصرارا كبيرا في الدفاع عن هويتهم الفرنسية، وهو الأمر الذي اقتضى منهم خوض أكثر من حرب خلال قرون.
السبت 2018/04/21
تراثُ المئات من الشعوب التي تحتفظ بلغاتها الخاصة

كانت مرشدة المتحف الوطني بمدينة الكيبك تُسهب في الحديث عن تاريخ البلد بشكل يختلف عما اعتدناه من مرشدي المتاحف الوطنية بالعالم والذين يغرقوننا في تفاصيل التاريخ الرسمي للبلدان.

إذ كانت تفتح أكثر من قوس للحديث عن الرغبة التي تتملك الكيبكيين في الانفصال عن كندا وعن خيبتها الشخصية من فشل الاستفتاءين اللذين عرفهما البلد وعن توقها إلى استفتاء ثالث قد يمكّن الكيبك من الاستقلال. إنها الرغبة ذاتها التي تطبع أحاديث الكثير من الكيبكيين، مواطنين أو مثقفين وكتابا، على الأقل كما أحسست بذلك شخصيا خلال رحلاتي الثلاث إلى كندا.

حينما سألت المرشدة عن الحضور المحتشم لتراث السكان الأصليين في المتحف الوطني للكيبك، بدت ابتسامة واسعة على شفتيها، ثم قادتني إلى جناح كبير وأنيق خاص بهم، حيث يتساكن هناك تراثُ المئات من الشعوب التي تحتفظ بلغاتها الخاصة، وأناشيدها الأولى وطقوس حياتها التي تنتصر للحياة ضدا على برودة البلد، وصور المدارس الأولى التي كانت تشبه معتقلات، حيث كان يتم منع استعمال اللغات الأصلية بهدف خلق أجيال جديدة هجينة بدون ذاكرة.

يُبدي الكيبكيون إصرارا كبيرا في الدفاع عن هويتهم الفرنسية، وهو الأمر الذي اقتضى منهم خوض أكثر من حرب خلال قرون، سواء ضد الوافدين من بريطانيا التي كانت مهووسة بتوسيع إمبراطوريتها أو ضد جارهم الأميركي. كما خاضوا استفتاءين من أجل الحصول على الاستقلال، وإن كانا قد انتهيا بالفشل نتيجة خوف البعض على مصالحه المتشابكة مع بقية البلد. غير أن الكيبكيين يبدون، بشكل مفارق، كثيرا من البرودة في التعامل مع الحقوق الثقافية للسكان الأصليين. ولعل من علامات ذلك، كون القانون الذي وضعته كندا والذي يخص تدبير حقوق هؤلاء، بما فيها الحقوق الثقافية، يعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، وهو يحمل كثيرا من التناقضات وكثيرا من رائحة الإقصاء والميز. أما المدارس التي كانت تشكل الطريق نحو محو ذاكرة السكان الأصليين فلم تغلق إلا قبل عقدين.

نصحني ميشيل سوفاجو، مدير المعرض الدولي للكتاب بمدينة الكيبك بان أشاهد مسرحية “مرحبا بكِتشيك”،منهبا إياي، بكثير من الزهو والفرح، بأن المسرحية تشكل أول عمل فني خاص بإبداع السكان الأصليين يبرمج في إطار المعرض. فضلتُ، تجنبا للإحراج، بألا أُذكّره بأنهم تأخروا كثيرا في ذلك، خصوصا أن المعرض يقفل هذه السنة ربع قرن من عمره.

كنتُ في الموعد. أذهلني أن الممثلين الأربعة لهم تجارب أخرى في الكتابة الشعرية والروائية والقصصية والبحث. أما المسرحية فهي تدون، بشكل تحفه الكثير من السخرية، للعلاقات التي تجمع سكان تَجَمع متخيل بالسكان الأصليين. لا أعرف لماذا كنت أتذكر، طيلة العمل المسرحي، بلدا اسمه فلسطين.

15