لعبة التوظيف السياسي والعسكري لحراس الدين في سوريا

استهداف القاعدة الروسية يؤثر على المشهد السوري ويخلط أوراق الفاعلين.
الأربعاء 2021/01/06
منعطف جديد في الأزمة السورية

قلب تنظيم حراس الدين الموالي للقاعدة في سوريا، وهو الدور الذي اضطلع به بعد أن نأت هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) بنفسها علنا عن جماعتها الأم الأساسية، بعض المعادلات من خلال تبنيه هجومًا نوعيًا قبل أيام، استهدف قاعدة روسية في بلدة تل السمن جنوب عين عيسى بريف الرقة الشمالي، وهو هجومه الأول ضد قوات روسية، والأول له خارج إدلب التي لم يتعداها نشاطه العسكري.

القاهرة – تبنى تنظيم حراس الدين الموالي للقاعدة في سوريا مع الساعات الأولى للعام الجديد تفجير سيارة مفخخة في مدخل قاعدة روسية بريف الرقة الشمالي، أعقبه اشتباك خمسة انتحاريين لفترة قصيرة بالأسلحة الرشاشة مع جنود روس قبل أن يُقتلوا جميعًا، وفق ما نشرته حملة “الرقة تُذبح في صمت” مصحوبًا بصور للهجوم على صفحتها في فيسبوك.

واعتبر الهجوم محاولة من التنظيم لقلب بعض المعادلات، وقوبلت العملية غير المسبوقة التي أعلن في بيان “غزوة العسرة” الذي نشرته مؤسسة شام الرباط ذراعه الإعلامية عن نجاحه في الهجوم، بحفاوة بالغة من أعضاء القاعدة وجرى تداول تفاصيلها من منطلق وصفها بالنصر المؤزر والفتح الجهادي الكبير، وهو ما عكسته الصياغة الحماسية التي صاغ بها التنظيم بيان تبنيه للهجوم.

في المقابل، أبدت أطراف أخرى تشككها في فرضية مقدرة حراس الدين على القيام بعملية بهذا الحجم في منطقة تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، وتنتشر فيها حواجز عسكرية كثيفة، وهي التي لم تشهد من قبل اختراقًا أمنيًا من هذا النوع.

رسائل متناقضة

توظيف التنظيم لخدمة أجندات معينة لأطراف معروفة
توظيف التنظيم لخدمة أجندات معينة لأطراف معروفة

ما يدفع للنظر إلى الهجوم من منطلق أبعاد ميدانية أوسع بمعزل عن التصور المبدئي الخاص برغبة تنظيم مشتت في أن يثبت وجوده ناقلا نشاطه خارج الطوق الذي حُوصر بداخله في إدلب من قبل غريمه هيئة تحرير الشام، هو تزامنه مع المفاوضات بين تركيا وروسيا في عين عيسى، والتوتر الحاصل بين موسكو وقوات سوريا الديمقراطية في نفس المنطقة.

من غير المنطقي أن يكون اختيار عين عيسى لتنفيذ هجوم بهذا الحجم اجتهادا من تنظيم اختفى معظم قادته ومُني بخسائر كبيرة خلال العام الماضي أثرت على تماسكه وفككت هيكله القيادي.

يمكن فهم توظيف حراس الدين من طرف آخر استغلالا لحاجته إلى الخروج من مأزقه وقوقعته داخل إدلب، بالنظر إلى أن ساحة عين عيسى تتفاعل داخلها ملفات أكبر من القاعدة والجهاديين السنة، وأي تطور ميداني متعلق باستهداف قوات طرف وازن كروسيا يؤشر على رسائل من طرف آخر قوي في المعادلة كما يؤدي إلى تبديل مواقف وسقوط تفاهمات بين اللاعبين الرئيسيين.

وترقى الشكوك التي أبدتها كيانات من المعارضة السورية ومن منافسين للقاعدة داخل الأوساط الجهادية بسوريا إلى مستوى النظر إليها بعين الاعتبار، لأن الهجوم الأول من نوعه من شأنه التأثير على المشهد السوري بأكمله وإعادة خلط أوراقه أمام الفاعلين فيه، في ظل الصراعات والتجاذبات الإقليمية والدولية المحتدمة بمنطقة شرق الفرات.

ورغم انتهاء المعارك فعليًا بمنطقة شرق الفرات، وبالقرب من عين عيسى في نوفمبر 2019 عقب اتفاق روسي – تركي، لم تتوقف الاشتباكات في محيط عملية نبع السلام التي قامت بها أنقرة والجيش الوطني السوري الموالي لها.

التمدد بعمليات نوعية نحو شرق سوريا بمثابة إنجاز ميداني للقاعدة بعد أن كانت محاصرة ومضطهدة من هيئة تحرير الشام

ومنذ توقيع الاتفاق الروسي التركي الذي وقعه الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، في مدينة سوتشي ورسم حدود وشكل منطقة شرق الفرات، استقرت سيطرة الجيش الوطني السوري على مدينتي تل أبيض بريف الرقة ورأس العين بريف الحسكة، وظلت باقي مناطق شرق الفرات بيد سوريا الديمقراطية (قسد) تحت إشراف روسي.

وبقيت عين عيسى منذ ذلك الحين ساحة رئيسية للتجاذبات والمناوشات بين الطرفين، أي الجيش الوطني وقسد، حيث حرصا على عدم التسليم بما آلت إليه معركة نبع السلام، ويسعى كلاهما عبر القصف والاعتقالات والهجمات المتبادلة إلى أن يقلص أحدهما نفوذ الآخر، ويسيطر على ما يقع تحت يد غريمه ومنافسه من مناطق.

وتصاعدت حدة الاشتباكات بين الجيش الوطني وقسد مطلع ديسمبر الماضي، ما دفع موسكو إلى مطالبة قسد بتسليم عين عيسى ونقل إدارتها وخدماتها العامة إلى قوات النظام وخفض وجودها ونشاطها بالمنطقة، لكن قوات سوريا الديمقراطية عارضت ذلك وترجمت رفضها عمليًا عبر تحصين مواقعها بالبلدة واستدعاء تعزيزات عسكرية من شمال شرق البلاد، مع ازدياد الضغوط الروسية.

وتتشبث قسد بعين عيسى كونها خط الدفاع الرئيسي عن مدينة عين العرب بريف حلب، حيث تربطها مع تل أبيض وصولاً إلى الجنوب في منبج، ولأنها تتحكم في شبكة مواصلات إستراتيجية على امتداد شبكة طرق مهمة تربط محافظتيْ حلب والحسكة عبر الطريق الدولي أم 4، علاوة على أنها تتميز بطرق محلية تربطها بتل أبيض على الحدود التركية ومدينة الرقة.

ويصعب على قوات سوريا الديمقراطية التخلي بسهولة عن منطقة كهذه وعن عين عيسى التي تُعد خط دفاعها الأول وتقع تل السمن في جنوبها، فهي تربط بين مناطق شمال شرقي سوريا، وفي حال خسارتها ينقطع التواصل مع عين عرب التي لها رمزية كبيرة لدى قسد التي تكافح لحماية بقايا مشروع إدارتها الذاتية على الحدود التركية السورية.

وعلى ضوء ذلك يمكن تفسير الهجوم بحصول تسهيلات لتنظيم حراس الدين من قبل قوة نافذة ومتحكمة في هذه الساحة، ليتمكن وهو الفصيل المشتت والملاحق من تنفيذ هجوم بهذه الدقة والضخامة ضد القوات الروسية في تل السمن، حيث تنتشر نقاط التفتيش المشتركة للشرطة العسكرية مع قوات النظام.

وتستفيد قسد من وقوع هجوم كهذا لإيصال رسالة مباشرة إلى موسكو، مفادها أن بديلها في عين عيسى هو الإرهاب، وأن تركيا من خلال وكلائها غير قادرة على حفظ الأمن وكبح التنظيمات الإرهابية، لذا فلا بديل عن استمرار نفوذها للحيلولة دون عودة القاعدة وداعش، ما يعني محاولة منها لخلق مصالح مشتركة مع روسيا في ملف مكافحة الإرهاب دون تسليم المنطقة للنظام السوري.

تضييق الخناق على نشاطات التنظيم
تضييق الخناق على نشاطات التنظيم

وثمة احتمال معاكس لا يخلو من وجاهة بالنظر إلى تضارب المصالح والأيديولوجيا بين قسد وتنظيم حراس الدين الذي سيفكر أولًا في داعش كأقرب الفصائل إليه بهدف مساندته في استعادة قواه بعد كسر شوكته وانقضاض أبومحمد الجولاني عليه في إدلب.

ويدرك من تبقى من قادة حراس الدين أن وصول نشاطهم إلى منطقة شرق الفرات معناه أن القاعدة عادت فاعلا بقوة في منطقة حيوية تم طرد داعش منها في 2014 وصارت معقلًا لأحد أعتى خصومه، أيْ قسد، حيث تحولت منذ منتصف 2015 إلى شبه عاصمة لإدارتها الذاتية بدعم من التحالف الدولي.

ويتطلب سعي حراس الدين إلى معاودة تعزيز نشاطه وتوجيه رسائل للأطراف المعنية ولغريمه هيئة تحرير الشام -فما تعرض له لم يؤثر على تماسكه الداخلي وهو قادر على التمدد خارج مناطق نفوذه- تشكيل قوة ضاربة مبنية على ميزته الرئيسية الخاصة بمقاتليه الأجانب وباعتناقه أفكار الجهاد العالمي وهي مشتركات تجمع بينه وبين داعش.

ورغم تبعية حراس الدين للقاعدة، إلا أن التحديات التي يواجهها من مختلف اللاعبين في الساحة السورية جعلته يقوم بعملية إعادة تجميع جهاديي داعش في شمال غرب إدلب بعد طرد تنظيمهم من الموصل والرقة، وتضييق الخناق عليه بقوة عن طريق الغارات الجوية التي شنها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في شرق سوريا، وهو واقع صادف أن التنظيمين، داعش وحراس الدين، يعانون منه.

ويسعى داعش أيضا لتثبيت نفسه على ساحات القتال والثأر من هزائمه واستعادة ما كان يسيطر عليه من يد قوات سوريا الديمقراطية، يربطه بحراس الدين ليس فحسب مشتركات فكرية وعقدية، بل أيضًا تاريخ من التعاون والتنسيق الميداني، وهو الفصيل الذي آوى أبوبكر البغدادي بمنطقة تابعة له في قرية باريشا على الحدود التركية، قبل أن تنجح القوات الخاصة الأميركية في قتله.

وإذا لم يكن التنسيق جرى بين قسد وحراس الدين لتسهيل تنفيذ عملية تل السمن النوعية، فإن الاحتمال الذي يوازيه في القوة هو اتكاء الفصيلين الجهاديين داعش وحراس الدين على بعضهما البعض، بهدف الخروج من قمقم إدلب والتوسع في عمليات تستقطب الإرهابيين العالميين وتحرج متصدري الجهود المبذولة في ملاحقتهم وتحجيمهم أمام المجتمع الدولي.

بداية من خارج إدلب

Thumbnail

يُعد استهداف قاعدة عسكرية لروسيا في عين عيسى نصرًا رمزيًا لحراس الدين، بالنظر إلى أن عملياته السابقة داخل إدلب كانت غالبيتها بالتنسيق مع هيئة تحرير الشام وبتمويل مباشر من الفصيل الجهادي الأول والأقوى في الساحة السورية.

وأكدت شهادات عديدة لقادة بحراس الدين وهيئة تحرير الشام أن التمويل والتسليح اللذين كان يحصل عليهما قادة حراس الدين بإدلب قادمان من هيئة تحرير الشام لتنفيذ عمليات تخدم أهدافها وتُنسب إلى غيرها.

ودشن تنظيم حراس الدين بعمليته الأخيرة النوعية في عين عيسى استقلاله الميداني عن هيئة تحرير الشام، وأثبت أنه قادر على القيام بعمليات استنزاف ضمن إستراتيجية حروب النكاية بمناطق خارج إدلب لا يسيطر عليها أبومحمد الجولاني، في سياق عمليات تضر بالهيئة المخولة بالحفاظ على التفاهمات التركية الروسية في الشمال السوري.

التمدد بعمليات نوعية نحو الشرق السوري، هو بمثابة إنجاز ميداني لتنظيم القاعدة في سوريا، بعد أن كان محاصرًا ومضطهدًا من هيئة تحرير الشام، في حين لا تتوقف طائرات الولايات المتحدة المسيرة عن اصطياد قادته.

ويمنح الخروج من إدلب تنظيم حراس الدين فرصة الترويج لنفسه، ككيان متحرر من القيود المُكبِلة للفصائل الأخرى والتي تنشط وفق الحدود والأطر التي حددتها التفاهمات التركية الروسية.

وإذا كانت هيئة تحرير الشام تسعى لتعميق جذورها المحلية برعاية تركية وتحت مظلة تفاهمات موسكو وأنقرة، فإن تنظيم حراس الدين بإمكانه تجنيد العديد من الجهاديين الرافضين لتلك التفاهمات والداعين للإفلات من فخ إدلب عبر توسيع نشاطاتهم بساحات أخرى.

قسد تريد استغلال استهداف عين عيسى لإقناع روسيا بجدوى مكافحة الإرهاب وثنيها عن تسليم المنطقة لدمشق

واخترق تنظيم حراس الدين حاجز حصار هيئة تحرير الشام له ليس فحسب بالهرب من حيز سيطرتها الجغرافية، إنما بالتحرك في مساحات تجعله قادرًا على إدارة الدعايات ضدها، وأقربها توجيه وتحريك سخط الرافضين للتفاهم مع الأتراك والروس، وكسب تعاطف غالبية سكان تلك المناطق ممن يعتبرون الأتراك محتلين لا يختلفون في هذا التوصيف عن الروس.

وقابل تنظيم حراس الدين البروتوكول الإضافي لاتفاق سوتشي الذي ينص على مكافحة جميع أشكال الإرهاب والقضاء على كل التنظيمات المتطرفة التي أقر بتصنيفها مجلس الأمن، فضلًا عن تسيير دوريات مشتركة على الطريق الرئيسي بين حلب واللاذقية، بتشكيل غرفة عمليات خاصة به.

وتعهدت تركيا بتفكيك التنظيمات المتشددة من الداخل، وأُسندت المهمة لهيئة تحرير الشام التي قادت المواجهة ضد الأكثر تشددًا وضد قادة حراس الدين خاصة بعد استهداف الجنود الأتراك والدوريات الروسية التركية.

ونقلت المخابرات الروسية إلى دمشق كافة المعلومات عن تنظيم حراس الدين المتهم بنصب كمائن ضد الدوريات العسكرية المشتركة على الطريق الدولي، وطالبت موسكو بعمل عسكري مشترك بين الأتراك والسوريين ضد منتسبي القاعدة.

والتنظيم الذي غاب عن العمل العسكري خلال الأشهر الماضية، وتم تضييق الخناق عليه واستهداف قادته بالقتل والاعتقال وبات مطلوبًا من مختلف اللاعبين في الساحة السورية، استغل الثغرات الأمنية ونفذ عملية ذات ثقل رمزي ضد قاعدة للقوات الروسية خارج إدلب، محرزًا نقاطًا لصالحه ضد مختلف الأطراف التي تستهدفه.

7