لعبة الحوار

الثلاثاء 2017/05/30

يسأل هوبرت فيخته جان جنيه في نهاية حوار طويل امتد لثلاثة أيام (19-20-21 ديسمبر 1975): هل تتصورون أن هذا اللقاء قد يعطي فكرة عن تفكيركم؟ فيجيب جان جنيه: لا.

ويعود فيخته ليسأله: ما الذي كان ينقصه؟ فيجيب: من الممكن أن تكون هناك حقيقة، لكنها ستكون فقط عندما أكون لوحدي، حقيقة لا تخص الإعتراف، حقيقة لا تتعلق بحوار ما أتحدث فيه عن حقيقتي، لقد حاولت الإجابة عن أسئلتكم بالدقة الممكنة، ولكني والحق يقال كنت بعيداً جداً عن حقيقة الحقيقة. ويضيف جان جنيه: فعندما أكون لوحدي تماماً من المحتمل أن أقول شيئاً قليلاً من الصدق، لكن عندما أكون مع أحد فإني أكذب”. رحلة في عالم جان جنيه، ترجمة علي شاكر العبادي، دمشق – دار كنعان 2010، ص ص.213-214.

لاشك بأن هذا الإعتراف من جان جنيه يضع جميع الحوارات موضع التساؤل والشك في صدق المحاوَر. فكيف لي أن أثق بصدق ما يقول؟

ربما كان جان جنيه مبالغاً في قوله “عندما أكون مع أحد فإني أكذب”، لكنْ للكذب هنا نوعان: الإخفاء والظهور على ما هو ليس عليه، من جهة، واختراع وقائع من جهة أخرى.

لقد أجريت معي حوارات كثيرة أصدر بعضها المحاورون في كتب. لم أكن حراً على نحو كامل فيما أقول. لم أكذب بل أخفيت رأياً، داورت كي لا أظهر، كان الحوار في الوضع بالمعنى السارتري، أتحدث بالعام وأنا أعني الخاص، كان النظام المتعالي يلاحقني؛ السلطة الدينية والسياسية والإجتماعية ومازال فأرمز إلى الأحوال، لم أقل ما لا أعتقده بل لم أقل كل ما أعتقده، وأحياناً أقوله متخفياً وراء لغة طيعة لإرادتي. وهكذا يكون المتلقي في حال القراءة التي تكشف ما وراء العام والغامض وخبث اللغة.

لو كنت في باريس ما كنت لأفعل ذلك، لكنت حراً في الوضع. ولقد قرأت حوارات كثيرة مع كتاب أعرفهم جيداً. وكنت متفاجئاً من وقائع ذكروها وأعرف أنها لم تحدث، أو أضافوا إليها من خيالهم وكنت شاهد عيان على حدوثها. ولم أستطع أن أفهم ذلك إلا بأنه زيادة في شهوة الحضور، ذلك أن الوقائع التي ذكروها ذات طبيعة خاصة وفردية.

وليس عندي شك في أن الأسئلة التي يطرحها المحاور والتي تأخذ صيغة أسئلة اعتراف أمام الكاهن لا تنجب إجابات حقيقية بشكل كامل، فهناك لدى المحاوَر دائما ما يخفيه عن الناس في أمور تمس حياته الفردية غير المرتبطة بوجهة النظر الأدبية والفكرية والفنية.

في الحوار يكون الآخر حاضراً بوصفه رقيباً، إنه يتدخل عند الضرورة، عند التناقض، عند الغموض، عند الرغبة في الفهم أكثر، عند الرغبة في المعرفة. الرقيب هذا لا يترك صاحب الحضور يحضر كما يشاء، بل يريده أن يحضر كما شاء الرقيب. إن سؤال الآخر ليس سؤال من يجري معه الحوار بالأصل، حتى لو كان المحاور ينتج أسئلته من قراءة مسبقة له.

يقوم طرفا الحوار بلعبة مشتركة أحدهما يمتلك الأسئلة و إنتاجها والآخر يمتلك الأجوبة. وقد تنتهي اللعبة بمنطق الغالب والمغلوب، أو قل شاء أحد الطرفين أن يكون منطقها هكذا.

يورد فواز طرابلسي على صفحته في الفيسبوك قصة حواره مع أدونيس الذي أجراه لمجلة الكرمل أيام محمود درويش، في النهاية طلب أدونيس من درويش ألا ينشر الحوار.

احتفظ طرابلسي بالأسئلة ونشرها بعد ربع قرن من الواقعة. “وقد اختتم أدونيس المقابلة -كما يقول فواز- بنص يتساءل فيه: لماذا صديقي ظلمني/هاجمني وفيها تحسر على الصديق الذي هو أنا”. لم ترق لأدونيس نتيجة اللعبة الحوارية ذات الأسئلة الجدية جداً، ولهذا طلب من درويش عدم نشرها.

تبدو لعبة الحوار أعقد مما يظن المتلقي الذي يقرأ الحوار دون الحفر فيما وراء الحوار.

كاتب فلسطيني مقيم في الإمارات

14