لعبة الديمقراطية لم تعد تقنع الشباب التونسيين

فئة واسعة من الشباب التونسي ترى أن الديمقراطية ليست إلا كذبة حملت معها الأزمات بدل الانفراج.
الأحد 2019/10/13
يؤمن الشباب في تونس اليوم أن الديمقراطية ليست لعبتهم أو ميدانهم، الأولوية المطلقة بالنسبة إلى الشباب التونسي تحسين الأوضاع الاقتصادية وضمان الاستقرار والأمن وتوفير فرص العمل وإصلاح التعليم والقطاع الصحي

ينتظر الشباب التونسيون من السياسيين إنجازات على أرض الواقع، وليس خطابات دعائية تناسب المواسم الانتخابية، فبعد تسع سنوات من الثورة التونسية وجد الشباب أنفسهم أمام رياح المجهول وفقدان الأمل بالمستقبل، والإحباط من طبقة سياسية لم تجلب سوى الأزمات المتلاحقة للبلاد.

تونس - تجاوز عليّ عامه الثلاثين بأشهر قليلة، ولا يبدو أن عمله في الأعمال الحرة يضمن له خيارات جيدة لضمان المستقبل وتأسيس عائلة، يقابل كل من يسأله عن الزواج بتجهّم وامتعاض، قائلا “وهل هناك مستقبل في تونس لبناء عائلة؟”.

يلقي عليّ بالمسؤولية، عن الأوضاع المعيشية والاقتصادية في تونس، على الطبقة السياسية ونخبها، ويعتبر أنها على اختلاف وجوهها وتياراته يمينية أو يسارية، فهي واحدة لا هم لها سوى احتكار السلطة وضمان مصالحها ممثلة بأحزابها التي لا تحمل أي تقدم للبلاد.

النتيجة بالنسبة إلى علي وإلى شريحة واسعة من الشباب التونسيين أن الديمقراطية ليست إلا كذبة حملت معها الأزمات بدل الانفراج.

تبدو هذه النظرة تشاؤمية وغاية في السوداوية، لكنها حالة عامة تسيطر على غالبية الشباب، وتظهر بوضوح جليّ خلال الأحاديث في المقاهي والجامعات والمدارس، وحتى بين الغرباء في وسائل النقل.

هذه الرؤية السوداوية أصبحت سمة بارزة لدى فئة الشباب الأكثر معاناة جراء الأزمات الاقتصادية والسياسية التي فاقمت من نسبة الفقر. فبعد مرور ثمانية أعوام على الثورة، ما زال حضور الشباب في ساحة العمل السياسي محدودا، مع استمرار معاناتهم من تفشّي البطالة، ولا تجري استشارتهم في القضايا الرئيسية التي تؤثر عليهم تأثيرا مباشرا.

انعدام التوافق

حملت الانتخابات التونسية التي جرت مؤخرا، سواء الرئاسية بمرحلتها الأولى أو التشريعية، الكثير من المفارقات، أهمها مدى التناقض الكبير بين التونسيين في اختيار أسماء مرشحيهم. ينسحب هذا التناقض على الأصدقاء المقرّبين والنساء والرجال وزملاء العمل والنخب الثقافية، وحتى ضمن العائلة الواحدة، إذ يندر أن يتفق اثنان على اسم مرشح واحد بمن فيهم أولئك الذين لم يذهبوا أصلا إلى صناديق الاقتراع، ويكتفون بالمشاركة الكلامية في النقاش العام.

الخيبة والإحباط من الوضع الراهن في البلاد أكثر ما يطال شريحة الشباب، الذين يفترض بهم أن يحملوا خططا عريضة لمستقبلهم وأن يملأهم الحماس والاندفاع لتحسين أوضاع البلاد، لكن الواقع معاكس تماما لذلك، وحمل معه كفرا بالديمقراطية وما حملته معها من سياسيين جروا البلاد إلى المجهول، بحسب ما يقول عمر.

يتابع عمر (35 عاما)، الذي تخرّج مهندسا غذائيا منذ سنوات لكنه يعمل مدرسا في إحدى المدارس الإعدادية الخاصة، “وفقا لمعايير الديمقراطية، فإن الديكتاتورية تنال تصويتا بالأغلبية الساحقة إذا ترشحت للانتخابات في تونس”.

ويؤكد عمر أن موقفه هذا قد يعارضه البعض لكنهم ليسوا كثيرين، فسوء الأوضاع وحالة اليأس التي تسيطر على الشباب جعلت القيم تنقلب عما كانت قبل 2011 وما بعده.

ويضيف أن “حالة اليأس للشاب التونسي أصبحت تفترض الفشل التام أمام أي محاولة للتقدم. وهو شعور منتشر جدا، ويعترضنا في الكثير من النقاشات السياسية مباشرة ودون مقدمات، والأسوأ والأكثر خطورة هو أن هذا اليأس يتصدى لأي فكر تقدمي ويهاجم بكل قوة أي أمل أو طموح”.

الديمقراطية لا تختلف عن السياسة من وجهة نظر الشباب، فهي تندرج ضمن الرؤية نفسها للطبقة السياسة، لا تحمل مشروعا وطنيا أو رؤية استراتيجية للمستقبل

ووفق دراسة حديثة فإن المجتمع التونسي يتصدر المراتب الأولى في مستوى الإحباط واليأس بين شعوب العالم، وهو ما أدى إلى تراجع كبير في مردودية العمل بل و  في الرغبة في الحياة، وبالنظر إلى أن فئة الشباب تشكل الغالبية في المجتمع التونسي فمن الطبيعي أنها ستكون الأكثر تضررا.

وبحسب دراسة أخرى أعدها المرصد الوطني للشباب، فإن أكثر من مليون شاب، متبخّرين في الهواء، لا يشاركون في أدنى نشاط ولا ينتمون إلي أي مؤسسة أو جمعية أو حزب. كما أن نسبة شباب الأحزاب لا تتجاوز في أقصى الحالات 8 بالمئة، بل إن الشباب المنضمين إلى الأحزاب يرون أنفسهم وقودا للحملات وصورة للديكور الديمقراطي فقط، أي أنهم لا يحملون، أساسا، قناعات وأفكار هذه الأحزاب.

ولم تتجاوز مشاركة الشباب دون الـ40، والتي تبلغ حوالي 60 بالمئة من السكان، نسبة الـ12 بالمئة منذ 2011 في الانتخابات التي جرت طيلة هذه المدة.

وفسرت الدراسة ذلك بتعاظم الفجوة بين النخبة السياسية والأحزاب من جهة وشباب تونس من جهة ثانية، فأغلب الأحزاب وقادتها، يتكلمون لغة لا يفهمها الشباب ولا يريدون سماعها، بل ولها مرجعيات “سلفية” لا تعنيهم، وتتحدث عن تاريخ لا يعرفونه ولا يهمّهم من ماركس إلى بورقيبة إلى الإسلام السياسي.

كما أصبحت صورة السياسي سلبية، إذ أن النخب تنقل إلى الشباب صورة سلبية للسياسة. فهي عالم يغلب عليه الفساد والانتهازية ولا تُحترم فيه المواهب أو الكفاءة. إلى جانب كهولة طبقة السياسيين حكما ومعارضة، وكذلك المجتمع المدني والنقابات ورفضها تشبيب القيادات وفسح المجال لمن يصغرهم سنّا ويفوقهم قدرة على تحديد أولويات مجتمع شاب في القرن الواحد والعشرين.

المسألة البارزة في تونس هي بعدُ طموحات الشباب وأحلامهم كل البعد عمّا طرحته الأحزاب وحتى القائمات المستقلة في الانتخابات من برامج وحملات كلاسيكية تم التركيز فيها كليّا على مشاغل العائلات والأبناء ونوعية الخدمات الخاصة بهذه الفئة، والتي لا تخاطب احتياجات وتطلعات الشباب العاجزين عن تكوين عائلة والعاطل عن العمل وتارك مقاعد الدراسة وضحية الانحراف والعنف.

الخوف من المجهول

يضاف إلى ذلك غياب دور المجتمع المدني والأحزاب في نشر ثقافة المواطنة والديمقراطية وقيم التشاركية وثقافة الانتخابات وضعف الحكومة في التواصل فيما يتعلّق بالشباب والمكاسب الموجودة في القانون الانتخابي ومجلة الجماعات المحلية.

ونتج عن ذلك كله يأس من كل إمكانيات التغيير السلمي، إذ يجد الشباب نظرا إلى طبيعتهم المتمردة حلولا غير الانتخابات، وهو ما يفسر عنف بعض التحركات الشبابية وطابعها التخريبي، وخصوصا في المناطق المهمشة من جهة، وارتفاع أعداد المنضمين إلى الجماعات الإرهابية والإدمان على المخدرات من جهة أخرى.

ولم تعد الديمقراطية بالنسبة إلى الشباب التونسيين مختلفة عن السياسة، فهي تندرج ضمن نفس رؤية التونسيين العامة للطبقة السياسة، لا تحمل مشروعا وطنيا أو رؤية استراتيجية للمستقبل لمقاومة الفقر والتهميش والبطالة.

يؤمن الشباب في تونس اليوم أن الديمقراطية ليست لعبتهم أو ميدانهم، والأولوية بالنسبة إليهم تحسين الأوضاع وضمان الاستقرار والأمن وتوفير فرص العمل وتطوير التعليم والقطاع الصحي بالدرجة الأولى.

ويرون أن السمة البارزة التي طبعت السنوات الماضية هي الخوف من المجهول، كل شيء عن المستقبل يبدو غامضا ولا ملامح له، الأسعار في ازدياد والعملة المحلية هبطت قيمتها خلال السنوات الماضية، ولا يعرفون ما إذا كان القادم أفضل.

شبح الإسلام السياسي

يؤمن الشباب في تونس اليوم أن الديمقراطية ليست لعبتهم أو ميدانهم، الأولوية المطلقة بالنسبة إلى الشباب التونسي تحسين الأوضاع الاقتصادية وضمان الاستقرار والأمن وتوفير فرص العمل وإصلاح التعليم والقطاع الصحي
يؤمن الشباب في تونس اليوم أن الديمقراطية ليست لعبتهم أو ميدانهم، الأولوية المطلقة بالنسبة إلى الشباب التونسي تحسين الأوضاع الاقتصادية وضمان الاستقرار والأمن وتوفير فرص العمل وإصلاح التعليم والقطاع الصحي

 يمثل تيار الإسلام السياسي شبحا للجيل الحالي من التونسيين ومن بينهم المحافظين، إذ لم تعد تنطلي عليهم الخطابات المعتدلة والدعاية الانتخابية، بعد ما شهدوه من محاولات هذه الجماعات السيطرة على مفاصل الحكم والتغلغل في الإدارات بطرق ملتوية، ففي الوقت الذي ينادي فيه قادة هذا التيار بالاعتدال يقومون بدعم الحركات المتشددة والمتطرفة سرا.

ووجد البعض من الشباب أن المشاركة في الانتخابات ربما تكون الحل الوحيد لعدم ترك الساحة مفتوحة لحركة النهضة. وتقول وسيلة إنها ستنتخب “لكي لا نترك البلاد للذين كذبوا علينا وخذلونا”. لكن وسيلة تمثل نسبة ضئيلة من الشباب الذين مازالوا يؤمنون بجدوى المشاركة السياسية.

وإثر انتخابات 2014، نجح حزب نداء تونس الذي قدم برنامجا ضد الإسلاميين، لكن سرعان ما تحالف مع حزب النهضة تاركا مرارة لدى ناخبيه. ولهذا السبب، تقول غزوة معاوية (مدرّسة) إنها لن تشارك في الانتخابات مثلما فعلت ذلك في 2014 عندما كانت مراقبة لعملية الاقتراع.

وتضيف “كل هذه الحملة، مسرحية هزلية”. وتتابع “يتواجهون في البرامج السياسية المتلفزة، ولكن يتم تقاسم السلطة في الكواليس بين الأحزاب الكبرى التي تتشارك في الكعكة”.

ووفقا لأستاذة الرياضة الحائزة على الدكتوراه والتي تدرس بمعهد حكومي بالعاصمة، فـ”إن الحكم لن يكون أبدا بين أيدي الشباب، هم مجرد صورة”.

وتضيف “الشباب لديهم أفكار وينشطون كثيرا في المجال الجمعياتي، ولكن ليست لهم أي سلطة سياسية تخولهم التقدم”.

قضايا فردية

يظهر تقرير سابق للبنك الدولي أن المواطنة الإيجابية والمشاركة في الحياة المدنية من جانب الشباب التونسيين ضرورية للحفاظ على الزخم الاجتماعي والاقتصادي الإيجابي الذي تشهده البلاد، وتحقيق الاستقرار السياسي، ومع ذلك فإن عددا قليلا منهم ينخرطون في شكل من أشكال المشاركة السياسية، ماعدا الحشد من أجل التظاهرات.

وفي الواقع، فإن الحراك الشبابي فاعل في قضايا فردية لا سياسات عامة، وتكون فيه أداة الحشد هي وسائل التواصل الاجتماعي خارج نطاق المؤسسات المدنية والسياسية التي تأسست رسميا.

وفضلا عن البطالة، يكشف التقرير أيضا النقاب عن ارتفاع مستوى الشعور بالإحباط وخيبة الأمل بين الشباب. وتذهب التقديرات إلى أن نسبة العدد الإجمالي للشباب من أعمار 15 إلى 29 عاما الذين هم “خارج دائرة التعليم والعمل والتدريب” تبلغ 33 بالمئة، وهي من أعلى المعدلات في المنطقة.

وترجع أسباب هذا الإحباط إلى عدة أمور، تتراوح من الأحوال السائدة في سوق العمل وضعف جودة التعليم إلى التفاوتات الجهوية والتحيز على أساس نوع الجنس.

وفي هذا الصدد، تقول غلوريا لا كافا، كبيرة علماء الاجتماع في البنك الدولي والمؤلفة الرئيسية للتقرير، “لقد منحت الثورة التونسيين بارقة أمل في إمكانيات مستقبل جديد. ومهمة بناء مستقبل جديد لم تتحقق بعد، ولا يمكن تحقيقها بالشباب وحدهم. إنما يجب بذل المزيد من الجهود لجمع كل أصحاب الشأن وذوي المصلحة معا. ومن بين هؤلاء مُقدّمو خدمات التعليم من القطاعين العام والخاص، والمجتمع المدني، وواضعو السياسات والإداريون في القطاع العام، ومؤسسات القطاع الخاص وقطاع المنظمات غير الحكومية الناشئة التي تُعنى بقضايا تشغيل الشباب، والحكومات المحلية، وفوق ذلك كله الشباب”.

ومع وجود دستور يقرّ بأن “الشباب هم القوة الدافعة في بناء الأمة” ينبعث الأمل في مستقبل أفضل للشباب التونسيين، لكن على السياسيين إذا أرادوا استكمال مشوارهم السياسي استعادة ثقة الشباب، بمساعدتهم على الإيمان بمستقبلهم مرة أخرى من خلال التمتع بمزايا التعليم الجيد، والعمل على توفير الوظائف والأنشطة التجارية، ومنحهم الفرصة للتعبير عن آرائهم والمشاركة النشطة في المجتمع المدني والحياة السياسية على المستويات المحلية والجهوية والوطنية.

19