لعبة الربيع العربي

الخميس 2014/02/20

داهمني “شعدون” بقولة: ما رأيك أن أعلمك لعبة الربيع العربي؟

نظرت إليه مستغربة: هل انتهينا من الفيزياء هكذا سريعا، لنلعب؟

ردّ: لا، بل اللعبة التي سأعلمك إياها من صميم الفيزياء، فالألعاب من الديمنو حتى الناينتندو صممها الفيزيائيون وعلماء الرياضيات تصميما سياسيا أو عسكريا، كعادة التطبيقات الفيزيائية في الطبيعة، فما بالك بتطبيقاتها على الألعاب الإلكترونية، وهؤلاء هم مصممو الألعاب الإلكترونية!

صمت، ليضيف: وما أريد أن أخصك بمعرفته هو لعبة الفوضى chaos game، ليس كقانون في الرياضيات لكن كلعبة، وهي متداولة على شبكة الإنترنت، وتوجد نسخ مختلفة وبقصص متباينة في معظم الألعاب الإلكترونية المتداولة بين الأطفال، والمراهقين، وحتى العقلاء، وحتى أجعل الأمر سهلا، سأعود بك للبدء؛ ما تعريف اللعبة؟

سألت: أية لعبة؟

ردّ: قصدت لفظ لعبة game، لا تستهيني باللفظ لا سياسيا ولا عسكريا، ولا حتى إن كان يعني مجرّد لعبة، فحتى هذا المعنى البسيط له تعريف في القواميس اللغوية، فهو مثلا يعني كل ما يلعب به، وما يلعب به الساسة منذ أن ولدت السياسة هم الشعوب، وليس بالضرورة شعوبهم، إنما شعوب الدول الأخرى، كما حصل لشعوب دول الربيع العربي حين لعب بها الغرب، بالطريقة التي ناقشناها من قبل.

تنفس عميقا ثم أضاف: ولكل لعبة مميزات وقوانين.

قلت: إذن هل قوانين لعبة الربيع العربي استمدّت من تلك القوانين، أم أنها استُمِدّت من نظرية الشواش –كما يحلو للبعض أن يترجم نظرية الفوضى من الأنكليزية- والشواش في اللغة الأنكليزية تعني الفوضى وعدم الاستقرار، وهذا ما أراده الغرب لدول الربيع العربي، أليس كذلك!

رد: قوانين اللعبتين معا، فخواص الشواش كتبناها سابقا، أما الآن فسأطرح خواص اللعبة، وهي على النحو التالي: التسلية، والانفصال (بين اللاعبين أو أوقات اللعب)، ولها قوانين، ونتائجها غير مضمونة، وبها شيء من غير الواقعية، وغير مثمرة، إلا في حالة لعبة السياسة، فدوما كانت نتائجها مثمرة للمتحكم في اللعبة.

ومثل الذي وعى الحوار أخيرا، تدخلت لأكمل حديثة: أرى أنك تريد أن تقول إن قوانين اللعب هذه تتطابق مع لعبة الربيع العربي، فلقد صارت تلك الثورات بعد حرارة قيامها تسلية العالم، يضحكون بها على العرب و”خيبتهم”، وأراهن أن ترى فيلما أميركيا فكاهيا حول المهازل التي انتهت إليها تلك الثورات. أما ميزة الفصل فهي واضحة، فلقد فصل بين أبطال اللعبة من داخل دول الربيع العربي شعبا وحكاما، وبين بعضهم البعض، وبين الشعوب العربية بعضها عن بعض.

ولأن العرب لم يتعلموا كيف يحترمون قوانين السلام، لا العرفية ولا الإسلامية ولا الدولية، لم يعرفوا أن للحرب قوانين إنسانية يجب احترامها، لذلك مزقوا القذافي علانية، وقتلوا الأبرياء في سوريا من الجهتين -الموالين للنظام والمناهضين له- وألصقوا تهم القتل بعضهم بالبعض الآخر.

وإطلاقا لم تكن نتائج لعبة الربيع العربي مضمونة، فحتى الآن وبعد برودتها لا يعرف أين تتجه تلك الدول التي حل بها الخراب العربي، وحتى الآن لم تتغلب شعوب الربيع العربي على فقرها، بل ازدادت فقرا وتعقيدا، كل ما حصلت عليه بعض حريات التعبير لدرجة الشتم، الذي شب بين الناس في كل أقطار الوطن العربي، وشيء من التحرش، الذي خص بعض دول الربيع العربي كاليمن ومصر. وفوق هذا لعبة الربيع العربي غير مضمونة للغرب، فكم مرة أدار الثوار ظهورهم للغرب خلال الثلاث سنوات الماضية، وكم مرة أدار فيها الغرب ظهره للثوار، وكأنه لا توجد قوانين لهذه اللعبة بالذات.

ولأني أحيانا أشعر أن ما يحدث حولي هو كابوس وليس واقعا من بشاعته، لذلك هي غير واقعية في بعض الأحيان -بالنسبة لي على الأقل- وفي كل الأحوال هي لعبة لم تكن مثمرة بالنسبة لشعوب الربيع العربي، أو على الأقل لم تجن ثمارها حتى الآن، لكن ربما جنى مصممو اللعبة الكثير من الثمار، أهمها انشغال العرب بهمومهم الداخلية، وتناحرهم فيما بينهم، وتخلوا عن التفكير في الغرب أو في إسرائيل؛ باختصار ضعفوا.

قاطعني بضحكة مدوية: المشكلة أن كل مجاهديكم يفجرون مفخخاتهم في المسلمين الأبرياء، ثم يبثون شريطا تصويريا يدعون فيه أنهم يفعلون ذلك من أجل القضاء على أميركا وإسرائيل.

قلت: وهذا دليل حَوَلِهم الفكري. ثم استدركت: إذن أنت تؤيدني، بأننا أصبحنا مشتتين مشغولين بأنفسنا ومعاناتنا الداخلية، أو الركض وراء مصالحنا الشخصية، وكل شعب يقول نفسي.. نفسي، وكل “حركة” غير شرعية تنتهز فرص القتل، والمستفيد الوحيد من عدم أمننا واستقرارنا هم أعداؤنا، سواء في الداخل أو الخارج، أولئك مصممو اللعبة على حدّ قولك!

ردّ: أخبرتك بأن في الغرب مراكز تدريب للقادة تدعى “لعبة الفوضى”، وهي مستمدة من نظرية الفوضى لدرجة أن شعارها هو شعار نظرية الفوضى أي الفراشة، ولا أظن أن أيّا من القادة العرب قد تدرّب بها!

16