لعبة الغياب

الأحد 2015/06/14
تخطيط: ساي سرحان

كانت ترتّب الأطباق على طاولة مغشاةٍ بمفرشٍ من حرير، وعشرة أزواج من العيون تتلصص من ثقوب السور القصير يتنبأون بما ستفعله ويتضاحكون كلما صدقت توقعاتهم، تدمدم بأغنيةٍ ما، وإذ تنتبه على الأطفال تَهُشُّهُم بعصاً غليظة ترتكز عليها لتدرأ عن عودها السقوط، كنتُ أراهم وأمضي إلى رفاقي أطفالاً مهذبين جداً لا يسترقون النظر لبيوت الآخرين، ذات يوم ضربني أبي، لشيء لم أفعله أبداً لكنه يؤمن أني قمتُ به، وحرمني من الطعام، وحين ضبطني متلبساً بمحاولة سرقة تفاحة من الثلاجة قام بصفعي من جديد ثم ركلني حتى سقطتُ على عتبة البيت، وبجنونٍ غريب لمعت عيناه ثم هدر بي طرداً خارج البيت، الشمس حمراء والشوارع تستعد للعتمة.

وأنا تائهٌ جائعٌ ومنفيّ، وجدتُ طفلين يراقبان بيت العجوز، وبتلقائية انضممت لهما متناسياً كل قواعد الممنوعات والأخلاق التي يستدعي كسرها (علقة محترمة) قال لي أطولهما إنها امرأة مجنونة، وجادله الآخر بأنها تكلم أصدقاءها من الجن، مبهوتاً بما قالوا أخذت أتأمل الطاولة المعدّة لأربعة أشخاص وحرير المفرش يهفهف مع مداعبات الريح، ورأيتها تتقدم من السور تتحامل على عكازها الغليظ، مبهوراً بالخطوط الجاحدة على وجهها أخذت أتأملها دون أن أهرب.

وصلت ورفعت عصاها عاليا تهددني وأنا واقفٌ أمامها بلا خوف أرصد الأعمق من ثنيات وجهها وأفكر كم توحي ملامحها بجمالٍ رحل مخلفاً نقاوةً في بياض بشرتها، وبدأتُ أحدد في رأسي كيف سأرسم وجهها، انتبهت على ضربة عكازها على طرف الحائط وبدأت أعي أنها تسألني سؤالاً كررته من جديد: ماذا تريد؟ لماذا لم تهرب مع أصدقائك؟

ثماني سنواتٍ كان عمري وقتها، وثماني سنواتٍ مضت منذ أن طردني أبي لأجل تفاحة، استضافتني لديها، وضعت لي طبقاً خامساً وسعدتُ يومها لأني عرفت أنها لم تكن مجنونة، ولم تكن تجالس جنياً، كانت تُجالس خيالات أولادها الذين رحلوا، ابتلعتهم الغربة بشراسة، وبقيت هي تنتظر أن يأتوا، تعدّ لكل واحدٍ منهم طعامه المفضل، وتعد طعامها الصحيّ الذي يوصي به طبيبها.

تأكل من طبقها وتسكب في طبق كل واحد منهم ما يحب، تنتقل على الكراسي الأربعة وتأكل من أطباقهم، تتذكر حكاياهم، ونكاتهم، ترفع قطع اللحم من طبق ابنها البكر وتضعه في طبق الصغير فيهم، فالأول لا يأكل اللحم والأخير يعشقه، تزيد كمية الطعام في طبق الأوسط بأمل أن يزيد ذلك في وزنه الخفيف شيئاً، تحكي نكاتاً كانوا يطلقونها تضحك عليها، وتُكشر كلما قام أحدهم بإزعاج أخيه بلقب يكرهه، ذات يومٍ سقطت مغشياً عليها وفي المشفى علمتُ أنه لا ينبغي لها أن تأكل البطاطا المقلية أبداً، تلك التي تتناولها حين تجلس مكان ابنها الأصغر، وعقدتُ معها اتفاقاً بأن نغيّر اللعبة، كنتُ أتخذ مكان كل واحدٍ منهم وتحكي لي عنهم، ومرة بعد مرة أخذت بتقليدهم، وبدأنا نخترع ألعاباً أخرى كأن تعصب عيني قبل أن تسكب الطعام ثم أجلس بجوارها تطعمني لقمة من طبق أحدهم (وأحزر) صاحب الطعام من أبنائها ثم أبدأ الحديث كأنما أنا هو، وتضحك هي كثيراً وتبدو أكثر صحة وجمالاً.

لم تعد بحاجة لتناول الأدوية، وأصبحت تهتم برسوماتي أكثر مما تذكر ذكريات أولادها الغائبين، تشتري لي الألوان وأدوات الرسم المختلفة كلما استلمت راتبها التقاعدي، وتأخذني لنزهاتٍ جميلة حيثما أريد، صرتُ ضيفها اليومي عصراً، هذا المساءُ جلستُ أرسمها، أغمضت عينيها بهدوء وتركتني أنقل ملامحها بدقة، لم تتحرك لثلاث ساعاتٍ كاملة، حين نهضتُ وهززتها كي أغادر كان جسدها قد أصبح بارداً تماماً.

كاتبة من فلسطين مقيمة في غزة

15