لعبة الكراسي الموسيقية تتواصل في الدوري التونسي

أقر الاتحاد التونسي لكرة القدم قانونا منذ عدة مواسم يحرم الأندية من التعاقد مع أكثر من ثلاثة مدربين في الموسم الواحد، إلا أن ظاهرة تغيير الجهاز الفني لدى أندية الدرجة الأولى استفحلت كثيرا خلال أغلب المواسم الماضية، وباتت بمثابة “الخبز اليومي” لدى هذه الأندية التي غالبا ما تجعل المدرب “كبش فداء” فيتم “جلده” وتحميله كل المسؤولية عند الإخفاق قبل إقالته، ثم تكليف مدرب جديد غالبا ما يفشل في تحقيق نتائج أفضل ممن سبقوه.
السبت 2018/01/27
البنزرتي يهرب من جحيم الدوري التونسي

تونس- خلال الموسم الحالي وقبل الوصول إلى الأسبوع السادس عشر فقط، ضربت هذه الظاهرة بقوة حيث أقدمت 11 فريقا من مجموع 14 ناديا ينشط ضمن الدوري التونسي الممتاز على تغيير مدربيها، والطريف في هذه المسألة أن الأندية التي تحتل المراكز الثلاثة الأولى ونعني بذلك الترجي المتصدر والصفاقسي ثاني الترتيب والنجم الساحلي صاحب المركز الثالث ألقت بدورها دلوها وغيرت الجهاز الفني.

هذه الظاهرة وصفها المتابعون للشأن الكروي في تونس بأنها ليست صنعا محليا ولا يمكن بأي حال الحديث عن كونها حكرا على الأندية التونسية فسحب، فأغلب الدوريات في العالم سواء القوية منها أو الضعيفة تشهد كل موسم تنامي هذه الظاهرة، بيد أن هذه المسألة في الدوري التونسي باتت اليوم أكثر خطورة من ذي قبل.

رغم الإجماع من قبل المحللين في البرامج الرياضية المحلية على أن هذه الظاهرة ليست وليدة هذا الموسم، إلا أن الأرقام الحالية تدعو إلى إطلاق صيحة فزع، خاصة وأن تغيير المدربين غالبا ما يضر بالأندية أكثر مما ينفعها.

وفي هذا السياق ذكر الناقد الرياضي التونسي فتحي المولدي سابقا أن الحل السريع الذي يضطر إليه المسؤولون صلب الأندية لإخماد غضب الجماهير عند حصول هزيمة هو إقالة المدرب وتعويضه دون روية بآخر، مشيرا إلى أن المسؤول الإداري لا يقبل أن يتحمل جزءا من المسؤولية ولا يستقيل بل يبحث عن الحل الأسهل ويجبر المدرب على الرحيل.

الظاهرة تفاقمت كثيرا في الدوري التونسي، إلى درجة أن كل أسبوع بات يحمل الجديد بخصوص رحيل مرتقب لأحد المدربين

هذه الظاهرة تفاقمت كثيرا في الدوري المحلي، إلى درجة أن كل أسبوع بات يحمل الجديد بخصوص رحيل مرتقب لأحد المدربين، وحتى الفرق الثلاثة التي حافظت إلى حد الآن على الجهاز الفني وهي الاتحاد المنستيري ونجم المتلوي وأولمبيك مدنين، باتت بدورها مهددة بـ”الاكتواء” بنار التغيير.

فالاتحاد صاحب المركز الرابع انهزم برباعية في الأسبوع الماضي وتنتظره مباريات صعبة في الجولات القادمة، أما نجم المتلوي فإن نتائجه غير مستقرة إلى الآن ومدربه ينتظر بين كل أسبوع وآخر قرار إقالته، أما أولمبيك مدنين الذي بدأ الموسم بشكل جيد نسبيا وجد نفسه حاليا في وضع صعب ومكانه غير مضمون في الدرجة الأولى، الأمر الذي قد يدفع بإدارة النادي إلى اللجوء إلى الحل الأسهل وهو تغيير المدير الفني.

الكل على كرسي هزاز

لا أحد محمي من الإقالة في الدوري التونسي، فهما علا شأن المدرب وتمكن من تحقيق نتائج رائعة فإنه على استعداد دائم في كل جولة للمغادرة والرحيل عن ناديه، فهو كمن يحمل حقيبته على ظهره في انتظار ساعة الوداع، ولعل ما حصل هذا الموسم مع المدرب فوزي البنزرتي عندما كان يشرف على تدريب الترجي الرياضي يؤكد هذا المعطى.

فالترجي فرض هيمنته على مجريات الدوري وانفرد مبكرا بالصدارة بيد أن أحباء النادي لم يشفعوا للبنزرتي ذلك “الخروج المهين” من مسابقة دوري أبطال أفريقيا ضد الأهلي المصري، ليطالبوا في كل جولة بإقالته، وهو ما حصل في نهاية المطاف حيث قرر البنزرتي المغادرة رغم أن فريقه كان يحتل المركز الأول بفارق كبير عن أقرب ملاحقيه.

وفي سياق متصل يؤكد أن هذا “الغول” يهدد كل المدربين دون استثناء حتى وإن كانت النتائج جيدة للغاية ما حصل مع المدرب الهولندي أدري كوستر عندما تولى تدريب النادي الأفريقي موسم 2013ـ2014، فالفريق تمكن من تحصيل نتائج ممتازة مع هذا المدرب جعلته في صدارة الترتيب.

أغلب الدوريات في العالم سواء القوية منها أو الضعيفة تشهد كل موسم تنامي هذه الظاهرة، بيد أن هذه المسألة في الدوري التونسي باتت اليوم أكثر خطورة من ذي قبل

غير أن رئيس النادي آنذاك سليم الرياحي قرر بصورة مفاجئة إقالة المدرب مفسرا تصرفه المتسرع بالقول “النتائج جيدة ولكن مستوى الفريق ليس مقنعا، والإقالة هي الحل”، لكن بعد خروج كوستر تراجعت نتائج الفريق مع معوضه الفرنسي لاندري شوفان الذي لم تطل إقامته مع الفريق أكثر من شهر لتتم إقالته بدوره ويعود الفريق إلى نقطة الصفر.

في المحصلة فإن التخوف من ردة فعل الأحباء وكذلك الخشية من تراجع النتائج يعتبران في مطلق الأحوال سلاحا ذا حدين وخسائره عادة ما تكون كبيرة وخاصة في الدوري التونسي، فأغلب التجارب السابقة وكذلك الحالية تؤكد أن الفرق التي تسارع إلى تغيير مدربيها دون دراسة وتمعن تدفع الثمن غاليا، ففي المواسم الثلاثة الأخيرة تعاملت أغلب الأندية التي تنافس على تفادي النزول مع أكثر من مدرب في الموسم الواحد لكنها فشلت في الإفلات من الهبوط.

سياسة الاستمرارية

أما الأندية القليلة التي ثبّتت الجهاز الفني واعتمدت سياسة الاستمرارية والاستقرار حققت أغلب أهدافها ولم تخسر الكثير، في حين كانت خسائر الأندية التي تنتهج دوما سياسة التغيير كبيرة، فالخسارة لم تقتصر على الجانب الرياضي فحسب، بل إن عدة أندية اضطرت إلى دفع مبالغ كبيرة للغاية لفائدة المدربين المقالين الذين لجأ عدد منهم إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم، وما حصل في الآونة الأخير مع النادي الأفريقي يؤكد هذا المعطى، بما أن الفريق سيكون مطالبا بدفع حوالي مليون و500 ألف دينار لفائدة مدربه السابق الهولندي رود كرول بعد أن تمت إقالته قبل انتهاء مدة العقد بين الطرفين.

والأمر الذي يثير الحيرة، هو أن الاتحاد التونسي حاول تنظيم عملية التعاقدات التي تتم بين الأندية والمدربين، وفي هذا السياق تم منذ عامين سن قانون يمنع هذه الأندية من التعاقد مع أكثر من ثلاثة مدربين في الموسم الواحد، غير أن هذا القانون لم يتم التقيد به، إذ نجحت بعض الفرق في التعامل مع أربعة مدربين في موسم واحد دون أن تتم معاقبتها، فهذه الأندية استغلت ثغرة في هذا القانون ما يساعدها عند التعاقد مع مدرب رابع على منحه إجازة مسؤول تجيز له البقاء على دكة البدلاء وتوجيه اللاعبين دون أي مشكل.

ربما كان على الاتحاد التونسي أن يتعامل بأكثر صرامة مع هذه الظاهرة ويكون مستميتا في الدفاع عن حقوق المدربين والأندية نفسها من سوء تصرف المسؤولين، ولعل ما يمكن تأكيده في هذا السياق ما يحصل في الدوري السعودي الممتاز، إذ تم سنّ قانون يمنع أي مدرب من الإشراف على فريقين من الدرجة الأولى في الموسم الواحد، وهو الأمر الذي ساهم في الحد من كثرة الإقالات والاستقالات.

22