لعبة المستقبل

صحيح أن الزمن نسبي، ويختلف باختلاف المكان والحالة النفسية والمعطيات العديدة للكائنات، لكنه يبقى في نظر كثيرين سلسلة من الأحداث التي تلحق ببعضها البعض.
الجمعة 2020/04/17
محاولة رسم ملامح المستقبل

شكل الحياة الذي أوصلتنا إليه الحضارة الإنسانية المعاصرة يرينا كيف تم تدريب البشر، بنسختهم الحالية، على الركض المتواصل من أجل هدف وحيد لا ثاني له، هو النجاة من الزمن، باعتبار الزمن خطًّا متتاليًا يبدأ من نقطة ويمضي نحو أخرى.

وبينما تم تطوير جميع نواحي الحياة، والثورة على كل أنماط العلوم التقليدية بدءًا من شكل الكون والأرض وصولاً إلى القياسات الدقيقة النانومترية وسواها، بقي الزمن وحده عاملاً يجري التفاعل معه وكأنه غير خاضع للنقاش، وكما فكر به الهوموسابين الأول يفكر به مواليد الألفية الثالثة.

كل ما يفعله البشر هو صراع، حتى الموت، مع الزمن. وعلى الرغم من احتفائهم بعلماء خرقوا تلك القاعدة وقدّموا لنا الزمن بفلسفة مختلفة، إلا أن البشر عادوا إلى ما ألفوه واعتادوا عليه، كسناجب في دولاب يدور بهم ويدورون به.

صحيح أن الزمن نسبي، ويختلف باختلاف المكان والحالة النفسية والمعطيات العديدة للكائنات، لكنه يبقى في نظر كثيرين سلسلة من الأحداث التي تلحق ببعضها البعض. يرويها الإنسان نفسه، إن شاء، وإن لم يرد، وهو الغالب، فهو يصغي فيها لرواة آخرين يخبرونه أن بدايته كانت هكذا ولحظته هي على الشكل التالي وأن مستقبله سيكون على صورة ما.

لكن ماذا لو آمن البشر، كما يؤمنون اليوم بخطر وباء كورونا، بأن الزمن ليس كما فهموه؛ سلطانًا لا راد لقضائه؟ ماذا لو أنهم تحرروا من جهلهم بالزمن؟ لا شك أن العالم سيتغير في تلك اللحظة، وإلى الأبد. ستتوقف نزاعات لم تكن تجد حلولاً، وسيخلع العنصريون والطائفيون عنهم لباس الغباء الذي طال، وسيدرك الحيتان الكبار في العالم أن الكنوز لا تقدم ولا تؤخر، ويفهم العشاق أن وقتهم طويل جدًا لتبادل الأغاني وكتابة الرسائل بالأحبار الملونة على ورق معطّر.

الإنسان كائن مختطف وعليه أن يقبل بذلك، هذا ما يريد الزمن التقليدي قوله لنا، نبهنا سيغموند فرويد إلى ذلك مشيرًا إلى المؤسسات وسيطرتها على الإنسان في طفولته من قبل مؤسسة البيت والأسرة إلى مؤسسات المدرسة والعمل. مع أن حكماء آخرين مثل كلود ليفي شتراوس رأوا أنه من خير الإنسان وسلامة عقله أن يكون حبيسًا ضمن ذلك القفص.

ومثل سهم زينون الطائر الذي يتحرك في الهواء وهو ثابت في مكانه، هي لعبتنا التي نلعبها بمثابرة مع الزمن كي نبقى نطارد المستقبل، مشغوفين به، متولعين بمجهوله، وقليلاً ما نحرص على تصميم ذلك المستقبل مسبقًا، كي يظل حمّالاً لمفاجآته وهداياه. خديعة ندركها ونستطيبها حالها حال الإعلانات المرعبة التي يتم لصقها على علب التبغ.

24